• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الرملي ينصِّب الكلمة كمتْنٍْ أول لهذا العالم

«ذئبة الحب والكتب».. مديح الأدب العالي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 أغسطس 2016

صالحة عبيد

يقول الروائي البيروفي «ماريو فارغاس يوسا»: تأتي الأعمال الأدبية في البداية كأشباح بلا شكل... في أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة، بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت، وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات، لينتج بشكل تدريجي شكل النص، وإيقاعه وحركته وحياته.. صنعت اللغة هذه الحياة المصطنعة، وللدقة هي حياة متخيلة.. وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة.

فور قراءتي هذه الجزئية من مقال «يوسا»، حول القراءة والكتابة وما حولهما، عاد ليسطع بذهني عمل الدكتور والروائي العراقي محسن الرملي.. «ذئبة الحب والكتب» الصادر مؤخراً عن «دار المدى». الذئبة هي تلك الرواية التي تراوح بين شخصيتين رئيسيتين، أولهما «الرملي» نفسه.. الذي يجعلك تبدأ القراءة وأنت تعتقد أن ما يذكره هنا، هو مجرد توطئه للعمل لتتفاجأ بعد الفصل الأول، بأنك قد دخلت العالم الروائي فعلاً، العالم الذي تجعله اللغة هنا متخيلاً حتى وإن بدأت بفكرة معاكسة.. لتنسل بعد ذلك في الفصل الثاني إلى الشخصية الأخرى، حيث «هيام» السيدة الأربعينية المتزوجة، والمهاجرة العراقية إلى إسبانيا التي تعتاش على الكتب.. الأدب، وما يبقيها على قيد الشغف في ذلك العالم المتخيل الذي تتوق إليه بشدة وشراسة، ربما هي أقرب للذئبية، إلى الدرجة التي تقرر أن تجعل منه عالماً شبه واقعي، من خلال مجموعة رسائل تصوغها إلى حبيب متخيل. وهذه الرسائل، شكلت القاعدة التي بني عليها العمل، حيث المسرح العريض، الذي يحوي كل ما يحتاجه العمل السردي من مراحل زمنية وحكاية وحبكة وشخوص.

هناك أيضاً شخصية رئيسية ثالثة لا يذكرها العمل بصراحة، لكنها تلعب دوراً محورياً في ربط الفصول ببعضها، وصياغة حبكة العمل.. فـ«حسن مطلك الرملي» شقيق «محسن الرملي» والأديب العراقي الجميل جداً والمبتكر إلى حد لا يصدق، والذي جرى للأسف الشديد إعدامه في 1990 ميلادية، هو الرابط الذي أوصل «هيام» بـ«محسن» بين الفصول، وهو الذي يجعل العنوان متسقاً مع فكرة العمل، فالكتب التي قرأتها «هيام» لحسن مطلك، والتعلق الشديد بلغة «حسن» الذكية والمرهفة والملغزة في آن، هي نفسها الرغبة اليائسة الأخيرة، التي حدت بمحسن الرملي إلى إنشاء مدونة إلكترونية لحفظ أعمال شقيقه، وإعادته دائماً إلى الذاكرة رغماً عن أنف المستبد. امتزاج الرغبات هنا أتى بتلك المصادفة الإلكترونية، مهدها اختيار الشخصيتين لبريد إلكتروني، يحمل اسم إحدى روايات «حسن مطلك»، رواية «دابادا»، مع بعض الاختلافات، تلك الصدفة التي مكنت «محسن الرملي»، من قراءة رسائل «هيام»، التي كانت توجهها لحبيب مجهول الاسم بداية، قبل أن تطلق عليه اسم «حسن» تيمناً بـ«مطلك» الراحل.

شذرات سيرة ذاتية

وبين صوتين، «هيام» و«محسن الرملي»، ودور «حسن مطلك» الخفي، تراوح الفصول وتتمازج. هنا ربما شذرات سيرة ذاتية مجتزأة لمحسن الرملي في الفصول الذي يتحدث فيها بصوته. وهناك على الجانب الآخر، حيث صوت هيام الأنثوي، تشع المرأة المثقفة التي تحب الحياة، رغم كل ما مر بها من العراق ثم الأردن وصولاً إلى إسبانيا، في صور وتداعيات للذاكرة والأحداث، والانعطافات المهمة وما يشملها من قضايا حول الوطن والحب والحرب، وغيرها مما هو مسكوت عنه في المجتمع الذكوري الممتد، والذي ينقل ذكوريته الشرقية تلك بشكلها السلبي حتى إلى البلاد التي لم تعد تؤمن إلى حد كبير بسيادة الرجل على المرأة، وهو نقد ضمني قد يحاول الراوي من خلاله أن يشير إلى أن التغيير والنضج الفكري والاجتماعي لا يحدث بمجرد الانتقال الجغرافي للمكان، وأن الأمر يستعد استعداداً معرفياً تراكمياً، هو الذي حول هيام بثقافتها الذاتية التي تنمو في الوقت الذي توقف من حولها عن ذلك النمو، هيام التي تمارس في العمل فصلاً من الثرثرة طويلة جداً.. بعضها مكرر إلى الدرجة التي قد تجعلك تتساءل: هل عمد الدكتور «محسن» كروائي إلى ذلك، من باب تقمصه المتقن لشخصية الأنثى، التي تقرر أن تتحدث عن كل شيء بأدق تفاصيله، حتى لو تكررت الأحداث وبات ترديد بعض المواقف واضحاً ومستهلكاً، أم أنه تكرار سقط سهواً، فذهب بصبر بعض القراء على فصول هيام الطويلة، كما أن هناك ملاحظات تبديها هيام، قد تجعلك تبصر صوت السارد الرجل، وليس صوت هيام الأنثوي، لتتساءل مرة أخرى: هل هي خشونة المحطات التي مرت بها امرأة، كان جل ما تريد أن تحب وتقرأ، هو ما حولها إلى تلك الشخصية، بصوتين أنثوي وآخر ذكوري، أم أنه سقوطٌ ساه آخر من الروائي الرجل؟

هناك على الجهة المقابلة، جو إنساني جميل مصاحب للعمل، يستعرض فيه الراوي بشكل غير مباشر أحوال نماذج متنوعة من شخوص العالم السفلي، وعندما نشير للعالم السفلي هنا، نذهب إلى أولئك المهمشين، الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم زوائد بشرية طارئة لا يتم الالتفات لها لخلفية حيواتها الكاملة، ولهمومها التي قد لا يبصرها إلا من تعايش معهم بشكل يومي، ففي تلك الشقة المكتظة التي انتقل إليها «محسن» بطل العمل في الأردن، كانت هناك سير قصيرة ومؤلمة للبسطاء المهاجرين، بحثاً عن عيش يستمر بكرامة، وحالات يأس وجذل متشابكة في اليوم الواحد، ونهايات منكسرة لبعضهم هم الذين لا ينفصلون عن السيرة الكبرى لهذا الشرق الملتهب، بالوجع الإنساني المستدام، ثم هناك عاملة المنزل السيرلانكية، في استقراء لحالة إنسانية خاصة، حول ذلك الآخر الذي نختلف معه في اللغة والسحنة، ونشترك في الهشاشة، والاغتراب، وأسئلة الوحدة والحب والألفة، إن شيئاً ما في العمل، كان يستند بشدة على هذه الشخوص، على فكرة أنك في بحثك عن الإنسان الذي تحب والذين تلخصهم «هيام» في بحث «محسن» عنها، ستتعثر بآخرين.. يُقَوُمُونَ عودك أثناء ذلك السعي، لأنك محاط بهم، ستكتسب شيئاً من التوهج الإنساني الخارق، والفهم الأصدق لهذا العالم، بداية من أولئك الذين لا يعيرهم العالم نفسه انتباهاً، فيما لا يدركون هم أيضاً، أنهم يشكلون دعامته، وسبب استمراره، لأنهم الندرة الذين يعيد من خلالهم فهم الصدق والبساطة والوفاء، وهنا تتمنى أيضاً كقارئ لو أن عالم «هيام» البعيد، قد حمل شيئاً من هذه الشخوص البعيدة، فشخصية «هيام» كانت ذاتية جداً في واقعها في أرض المهجر وأعني هنا في مرحلة استقرارها الأخير في الأراضي الإسبانية، لا الماضي الذي ترويه في استحضار لذاكرة سابقة، فالشخصيات التي جاءت في حاضر «هيام»، وقت رواية العمل، جاءت بحضور باهت لم يميز لها ملامح نفسية، تساعد القارئ على تكوين وجهة نظر حولها.. كالدكتور والشاعر الذي حرص على أن يمنحها رواية «حسن مطلك» الأولى، أو شخوص الضفة الأخرى، في حيوات عائلة زوجها، الذين يتقاسمون معها تلك الغربة القسرية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف