• الاثنين 24 ذي الحجة 1437هـ - 26 سبتمبر 2016م

«لنترك للوقت شيئاً من الوقت»

في فضيلة البطء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 أغسطس 2016

عبد السلام بنعبد العالي

لعل أحسن مقابل عربي للعبارة التي نقرأها في الكيخوطي لثيرفانطيس، والتي كان يحلو للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران أن يردّدها وهي:«علينا أن نترك للوقت شيئاً من الوقت» Donner du temps au temps، هو مفهوم «التّراخي»: يحيل هذا اللفظ إلى المعنى الذي كان الأشاعرة يروْنه مناسباً لوصف الإرادة الإلهية التي لا تخضع لضرورة، والتي تكون للفاعل وقد لا يفعل بها. لا يدلّ اللفظ على تخاذل وإهمال، بقدر ما يحيل إلى عدم الخضوع لسببية آلية تُولّد المعلول بمجرد أن تتوافر العلة. فهو ينفي كل فورية، ويقيم شرخاً بين السّبب والمسبَّب، ويؤكد نفْي التلاحق المباشر بين آنات الزمان. لعل هذا هو المعنى ذاته الذي تدلّ عليه كلمة «البطء». فهذا اللفظ لا يحيل إلى التكاسل والوهن وعدم القدرة، بقدر ما يردّ إلى الرويّة والارتخاء. إنه يحسب للزمن ألف حساب، إلا أنّه لا يستعجله، فيسمح «للزمن بأن يستغرق ما يكفيه من الزمان» كي يفعل فعله.

قد لا يوافقنا البعض هذا الرأي، فيرى أن هذا الاسترخاء نوع من العطالة، وأن «حساب الزمن» الحقيقي لن يكون إلا بمراعاة المسافات المقطوعة، وبالتالي، بالتعويل على السرعة والعجلة لقطع أكبر مسافة في أقصر مدّة. وهذه، على حدّ قول م.كونديرا، هي «حالة الانجذاب التي قدمتها الثورة التقنية هدية للإنسان المعاصر».

لكن، ربما لا يكفي التأكيد، على غرار ما يذهب إليه الفيزيائيون، بأن السرعة هي نسبة المسافة على الزمن. ذلك أن السرعة لم تعد اليوم مفهوماً فيزيائياً، وإنما غدت حالة وجودية. لذا ينبغي الذهاب حتى القول بأنها علاقة بين الإنسان وبين نفي الزمن وإلغائه والانفصال عنه. السرعة انفصال عن استمرارية الزمن. توضيحاً لذلك، يعقد صاحب كتاب البطء مقارنة بين راكب الدرّاجة النارية وبين ممارس رياضة الجري: فراكب الدرّاجة النارية، المنحني فوق دراجته «ليس بمقدوره سوى التركيز على لحظة انطلاقه، فهو متشبث بجزء من الزمن، مقطوع عن الماضي والمستقبل، مفصول عن كل استمرارية». فكأنه خارج الزمان. وهو يكون في حالة انجذاب مطلق، لا يشدّه إلى ماضيه ولا واقعه أيّ ارتباط، بل إنه لا يشعر حتى بالخوف، «لأن منبع الخوف يكمن في المستقبل، ومَن تَحرَّر من المستقبل لا يخشى شيئاً». أما ممارس رياضة الجري، فهو حاضر دائماً في جسده، مضطر إلى الإنصات إلى وقعه وإيقاعه، «مجبر على التفكير باستمرار في مشاكله الجسمية والتنفسية.. وعندما يجري يشعر بثقل جسده وعمره ويكون متيقظاً لذاته ولزمن حياته».

فبينما تتحالف الحيادية الباردة للتقنية مع النَّار المدمّرة للانجذاب في حال راكب الدرّاجة النّارية، فإن الإحساس الساخن بالجسد وثقله وحدوده و«انجذابه نحو الأرض»، لا يفارق ممارس رياضة الجري، ومهما حاول الانفلات من جذب الأرض وقبضة الزمن، فمن غير جدوى. أما جنون السرعة عند راكب الدراجة فهو، في نهاية الأمر، جنون الإفلات من كل شيء.

علاقة أقوى بالزمن

كأن للبطء علاقة أقوى بالزمن ممّا للسرعة، ومع ذلك فهناك من الفلاسفة من لا يفترض أيّ رابطة تشدّ البطء إلى الزمان. ذلك ما نجده عند أبي الفلسفة الحديثة. ففي القاعدة الأولى من«قواعد المنهج»، لا ينصحنا ديكارت بنهج طريق، ما دامت البداهة لا تحتاج إلى طريق وطريقة، وإنما يكتفي بأن يوصينا ب«أن نتجنب التعجّل précipitation بعناية». قد يفهم من ذلك لأوّل وهلة أن صاحب «القواعد» ينصحنا بالتمهّل واستغراق ما أمكن من الوقت، إلا أن ذلك سيتنافى، بطبيعة الحال، وقاعدة البداهة، التي من شأنها فحسب أن تهيئ الذهن ليدرك المعنى إدراكاً مباشراً لا يستغرق زماناً. ذلك أن استغراق الزمن بالنسبة لفيلسوف البداهة، من شأنه أن يفسح المجال لعمل الذاكرة، ويفتح الأبواب لتدخل التقليد وهيمنة أرسطو. التباطؤ وعدم التعجل عند صاحب «القواعد» إذاً، لا يعني مطلقاً تمهّلاً واستغراقاً لمدة أطول، وإنما فحسب عدم انتقال إلى معرفة إلا عن طريق معرفة تمهّد لها. وبلغة أبي الفلسفة الحديثة، التباطؤ هو انتقال من الأبسط إلى الأقل بساطة، وهو «احترامٌ لسلاسل الحجج». إنه مراعاة التقدم المعرفي وليس السبق الزمني. يتقدم هذا ذاك، لأن معرفة هذا تُيسّر معرفة ذاك. نحن أمام «نظام حجج» Ordre des raisons، ولسنا قطّ أمام انتظام الزمن. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف