• السبت 29 ذي الحجة 1437هـ - 01 أكتوبر 2016م

ابتغاء الوسيلة إلى الله الذي ورد في القرآن الكريم تعرض للتحريف والتشويه لدى المسلمين فجعلوا بينهم وبين الله وسطاء من الأولياء والفقهاء وأمراء الجماعات والدجالين والمشعوذين

البصر خاسئ وحسير.. في غياهب الفتوى والتفسير!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 24 أغسطس 2016

محمد أبوكريشة*

تزكية النفس لدى المسلمين هي التي تقف وراء شيوع الإرهاب منذ الفتنة الكبرى. وكل الفرق الهالكة ابتداء من الخوارج حتى الآن وحتى الغد نشأت تحت عنوان وشعار تزكية النفس. وهي الرذيلة التي نهى الله تعالى عنها في قوله عز وجل: (... فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)، «سورة النجم: الآية 32».. وتزكية النفس تقود إلى الغرور وتؤدي إلى يقين زائف بأنني وفرقتي وحدنا في الجنة والكل في النار.. وأننا المؤمنون الأتقياء وغيرنا كفرة وزناديق.. ويتجاوز الأمر عند من يزكون أنفسهم فكرة أو شعار: (من ليس معنا فهو ضدنا) إلى شعار أخطر وهو (من ليس معنا فهو ضد الله وضد الإسلام).. وأن الذين يحادوننا إنما يحادون الله.. والذين يتصدون لنا أو يخالفوننا إنما يتصدون لله ويخالفون الله.. وهؤلاء الذين يزكون أنفسهم لديهم يقين زائف أيضاً بأن القرآن الكريم نزل فيهم وعليهم.. وأنهم المقصودون بآيات الجهاد والقتال وأنهم جيش آخر الزمان الذي سيملأ الدنيا عدلاً ونوراً ويهزم اليهود والكفرة ويمهد الدنيا ليوم القيامة.. فهم الذين يعرفون وحدهم موعد الساعة ويعرفون وحدهم أنهم جيش استطلاع المهدي المنتظر أو المسيح المخلص.. وهنا يلتقي الإرهابيون من كل ملة ومذهب ودين.. وينتظرون مسيحاً مخلصاً أو المهدي الغائب.. وتتعلق آمالهم وأعمالهم بالغائب ولا تتعلق بالموجود الذي لا يغيب ولا تأخذه سنة ولا نوم.. وهنا أيضاً يلتقي المتطرفون والإرهابيون من المسلمين واليهود والمسيحيين، حيث الولاء والعبادة والسمع والطاعة والقتال والصراع من أجل أشخاص حاضرين أو غائبين.. موجودين أو منتظرين لا من أجل الله عز وجل.. هنا ينزل الدين.. أي دين من عليائه إلى أسفل سافلين لأن أهل الأديان يعبدون أصناماً بشرية من دون الله.

ويتطابق فكر المسلمين هذه الأيام تماماً مع فكر اليهود والنصارى في تزكية النفس والتعالي على خلق الله واتخاذ الرهبان والأحبار والمرشدين وأمراء الجماعات الإرهابية أرباباً من دون الله.. والزعم بالخيرية التي وردت في القرآن الكريم: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...)، «سورة آل عمران: الآية 110».. وهي نفس فكرة شعب الله المختار لدى اليهود، وفكرة (نحن أبناء الله وأحباؤه) لدى اليهود والنصارى معاً. وفكرة التفسير الهوائي وكسر عنق النصوص في الكتب المقدسة. وإذا كانت التوراة والإنجيل قد تعرضا لتحريف اللفظ والمقصد.. والانتحال فإن القرآن الكريم تعرض لما هو أخطر وهو تحريف المعنى وانتحال التفسير.. والقاسم المشترك بين التحريفين اللفظي والمعنوي هو الهوى والمزاج والغرض.. وبالتحريف المعنوي للقرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أصبح لدى المسلمين ألف قرآن أو يزيد وألف سنة أو يزيد وكلها تبدو متضادة ومتعارضة ومتناقضة مع غلبة الأهواء وتعارضها.

وعندما يردد المسلمون قول الله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...)، تغلبهم رذيلة تزكية النفس ويغلبهم الهوى ويقفون نفس موقف الذي قال (لا تقربوا الصلاة) ولم يكمل الآية الكريمة.. ونفس موقف من قلب معنى الآية الكريمة رأساً على عقب حين قال: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ...).. وسكت ولم يكمل.. هذه حال المسلمين الآن.. حال البتر والقص واللصق ليوافق النص الهوى، بينما يجب أن يوافق الهوى النص عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما بعثت به».. وعملاً بقول الله عز وجل في آية عظيمة موجهة مباشرة إلى المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست أبداً موجهة إلى المسلمين اليوم (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً).. ما أصعب شروط الإيمان، تحكيم الرسول أولاً في النزاع والخلاف، ثم عدم وجود ذرة عدم رضا بما حكم داخل النفس، ثم التسليم المطلق بما حكم به. هذه الآية الكريمة والعظيمة والتي توضح صعوبة الوصول إلى الإيمان الكامل أخذتها الفرق الهالكة وطبقتها على أتباعها لأنها جعلت المرشد والولي الفقيه وأمير الجماعة وخليفة المسلمين المزعوم في مقام الرسول صلى الله عليه وسلم، بل في مقام الخالق عز وجل وتعالى علواً كبيراً.. فلا بد من تحكيم المرشد أو الولي الفقيه أو أمير الجماعة في كل الأمور، ثم عدم وجود تبرم أو ضيق أو حرج من الحكم ثم التسليم الكامل والسمع والطاعة.

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).. خطف الإرهابيون والمتطرفون وأهل تزكية النفس هذا الجزء من الآية الكريمة ليتعالوا على البشر وليؤكدوا زوراً وبهتاناً أنهم المدللون في السماء - ونسوا أن هناك عشرات المعاني لكلمة (أمّة)، وأن من هذه المعاني أن الأمّة هي العهد أو العصر، ومنها أن الأمة هم الناس والبشر في عهود عدة.. وأن أمة محمد عليه الصلاة والسلام هي كل البشر من بعثته صلى الله عليه وسلم إلى يوم الساعة. ومن المعاني أيضاً أن الأمة هم اتباع سيدنا محمد فقط. وأن الخيرية تتحقق بثلاثة شروط، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. ولم يقل الله عز وجل تسلمون ولكنه قال تؤمنون، بمعنى أن كل مؤمن بالله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، تتحقق فيه الخيرية. والقاعدة تقول إنه ليس كل مسلم مؤمناً وليس كل مؤمن مسلماً.. (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...)، «سورة الحجرات: الآية 14»، ومعنى ذلك أن كل مؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. فالخيرية ليست للمسلمين ولكنها للمؤمنين.. وإذا قيل إن اليهود والنصارى لا يدينون دين الحق واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فإن الرد السريع والصواب أن كثيراً من المسلمين لا يدينون دين الحق واتخذوا مرشديهم ووليهم الفقيه وأمراء جماعاتهم الإرهابية وخلفاء مزعومين أرباباً من دون الله، ويدعون من دون الله بشراً.. وابتغاء الوسيلة إلى الله الذي ورد في القرآن الكريم تعرض للتحريف والتشويه لدى المسلمين فجعلوا بينهم وبين الله وسطاء من الأولياء والفقهاء وأمراء الجماعات والدجالين والمشعوذين.. فتفرقت بالمسلمين السبل عن سبيل الله.. فألبسهم الله شيعاً وأحزاباً وأذاق بعضهم بأس بعض ووقعت الفتن التي لم تصب الذين ظلموا خاصة، بل أصابت المظلوم قبل الظالم.. وغرقنا في مستنقعات الفتاوى.. وتهنا وضللنا في غياهب ظلمات التفاسير.. وكلما أردنا أن ننظر ونرى ينقلب إلينا البصر خاسئاً وهو حسير!!.

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء