• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

من المثقّف إلى الدّاعية.. التّحوّل المدمّر للثّقافة العربيّة

الإعلام الأسود

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 يوليو 2017

د. المعز الوهايبي

رغم كونه ظاهرة طبيعيّة تصيب كلّ كائن حيّ، فإنّ تاريخ البشريّة يبيّن أنّ الإنسان حوّل الموت في محطّات تاريخيّة كثيرة إلى صناعة وإلى استثمار بما يعنيه ذلك من تحقيق للرّبح المادّي ومراكمة الثّروة. ولنا في الحروب دليل على ذلك بغضّ النّظر عن مشروعيّة حرب وعدم مشروعيّة أخرى. ولئن كانت هذه الصّناعة جزءاً من العلاقات الدّوليّة بين الدّول والأمم طيلة التّاريخ البشريّ، فإنّنا قد نحتاج إلى مقاربتها عبر براديغم (نموذج تفسيريّ) غير الذي دأبت عليه الأدبيّات السّياسيّة. ونعني بذلك براديغم «المثقّف»، أي أن نقارب القضيّة بمساءلة ضرب من المثقّفين عن الدّور الذي يضطلعون به في هذا المضمار. وهو، لا محالة، براديغم غير منفصل عن الوساطة الإعلاميّة التي لولاها ما كان لبعض المثقّفين أن يؤثّروا بالكيفيّة البالغة التي نعاينها. وبعبارة أخرى، فإنّ الأمر يتعلّق بـ«مثقّف الميديا» الذي يتأتّى له بموجب هذه الوساطة أن يؤثّر في شرائح من المتلقّين أوسع بكثير ممّا يجري عبر الوسائط التّقليديّة، الكتاب والمجلّة.

هذه الورقة تُعنى بأن تسلّط الضّوء على فئة من البشر يُفترض فيها أنّها أبعد ما يكون عن هذه الصّناعة الإعلامية، ونعني بذلك فئة المثقّفين، أولئك الذين يسمّيهم تشومسكي «المجتمع الفكري». فلئن كانت «مهمّة» المثقّف هي النّقد والتّنوير وحسن تدبير المعرفة استخداماً وإشاعة بين النّاس، فإنّ ما يناط بهذه المهمّة أيضاً اتّخاذ المواقف الصّريحة الواضحة في إبّانها. وينبغي أنّ نشدّد على مقولة «مهمّة» لأنّ دور المثقّف ليس فقط إبداء الرّأي بهذه المناسبة أو تلك، وإنّما دوره، بل شرط إمكان وجوده كمثقّف هو أن يؤدّي دوراً فعّالاً في المجتمع الذي ينتسب إليه أساساً، وفي ما يخدم الإنسانيّة عموماً.

خيانات المثقفين

لقد بسط مفكّرون غير قليلين مسألة خيانة المثقّفين من حيث استخدام محصّلاتهم المعرفيّة تجاريّاً بحسب مقتضيات السّوق من عرض وطلب، ومن حيث التّبرير السّياسيّ للسّلطة حتّى عندما تكون غشوماً، ومن حيث تزييف حقائق التّاريخ. ولنا أن نستحضر إدوارد سعيد وهو يبيّن ضروباً من خيانات المثقّفين، سواء لقضاياهم الوطنيّة أو لقضايا إنسانيّة عادلة، حيث يتحوّل المثقّف إلى صانع أيديولوجيا قائمة على الإقصاء والاستئصال. ولنا أن نستحضر أيضاً باسكال بونيفاس وهو يكشف الزّيف الذي ينشره بعض المثقّفين الفرنسيين وهم يسوّغون زيفاً للاستعمار الفرنسي في الجزائر أو للعدوان الإسرائيليّ على الفلسطينيين، كما يبسط خيانات رجال الدّين بوصفهم يكونون شريحة من المثّقفين حينما يقرنون المعرفة بشؤون الدّين وأحكامه ومقاصده بوعي وتفكير عميقين. أي أنّ رجل الدّين يحمل من مواصفات المثقّف عندما تكون معرفته هذه مصحوبة بتدبير فكريّ ومصونة بالحرص على كرامة الإنسان؛ لكن عندما يتمّ الاقتصار على تفسير دينيّ خلو من الاجتهاد، فإنّه يترتّب عن ذلك ضرب من «الانسداد الثقافي»، كما يقول باسكال بونيفاس. فالصّراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يرمي من ورائه الفلسطينيّون إلى إدخال اليهود في الإسلام أو المسيحيّة، كما لا يرمي الإسرائيليّون من ورائه إلى تهويد الفلسطينيين، وإنّما هو صراع على الأرض، أي أنّه صراع سياسيّ من أجل الوجود. ولكونه كذلك في الأصل، ولكن لكون التّكييف الدّينيّ له يضحي هو الغالب، تتأخّر دائماً إمكانات الحلّ الحاسم.

تجارة التطرف

وعندما يحوّل المثقّف المادّة الثقافيّة إلى تجارة تشيع التّطرّف واستئصال الآخر المختلف إنّما يحوّل نفسه إلى تاجر موت، ويتمّ تبعاً لذلك تحويل الثقافة إلى إجرام، أي يسهم المثقّف بنسبة من النّسب في تصنيع الجريمة. وإنّه ليتخلّى بذلك عن واحد من أهمّ أدواره وهو كونه صديقاً للحياة. فالمثقّف الذي لا يتدبّر مفهوم الصّداقة بالوعي والتّفكير لا يمكنه أن يكون نصيراً للقضايا العادلة، فضلاً عن كونه لا يمكنه أن يعتزّ بانتسابه، خاصّة الانتماء الوطنيّ، فالقضيّة العادلة هي القضيّة التي يكون فيها طرف، فرداً كان أو مجموعة أو شعباً، مستهدَفاً في مقوّمات وجوده الإنسانيّ. وأمّا الانتماء الوطنيّ فدالّ على وعي المثقّف بالخصوصيّات التي تجعل من الوطن هويّة وجوديّة ما دامت هذه الخصوصيّات تعبّر عن المشترك الذي يتوحّد حوله وبه مواطنوه، وهو لا محالة مشترك ثقافيّ قيميّ. أن يكون المثقّف صديقاً للقضايا العادلة وصديقاً لوطنه، أي صديقاً لشعبه، مفاده أنّه يدرك أنّ الصّداقة تتعارض أولاً وأساساً مع الخيانة، فلا صداقة دون وفاء. وهذا التّوصيف للصّداقة ليس حكماً أخلاقيّاً فقط، بل هو شرط إمكانها كما ضبطه القول الفلسفيّ منذ أرسطو، مروراً بالتّوحيدي، إلى جاك درّيدا، ولكن لا صداقة دون تضحية. وتضحية المثقّف بداهة لا تحتاج إلى تعليل: هي أن يضطلع بمهمّته، وإلاّ فإنّه يكفّ عن أن يكون مثقّفاً. ومهمّته لا تعدو أن تكون غير الاستقامة الفكريّة والنّزاهة الأخلاقيّة في تعفّف عن مغريات السّلطة والمصالح النّفعيّة التي تبخس الكرامة الإنسانيّة قيمتها الحقيقيّة، وإذا انتفت صفته مثقّفاً فإنّه يكون عندئذ، في هذه الحال، غرابَ بيْن. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا