• الثلاثاء 06 محرم 1439هـ - 26 سبتمبر 2017م
  04:45     وزير خارجية تركيا: ما من سبب يدعو تركيا لإغلاق المعابر الحدودية مع شمال العراق         04:45    وزير خارجية تركيا: ما من سبب يدعو تركيا لإغلاق المعابر الحدودية مع شمال العراق        04:46    وزير خارجية تركيا: كل الخيارات مطروحة ردا على استفتاء كردستان العراق بما في ذلك إجراء عملية مشتركة مع العراق    

من يربّيها.. ويطلقها لتنهش القريب قبل البعيد؟

الضواري الجوراسيّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 يوليو 2017

عبد العزيز جاسم

نحن اليوم، في المدار العربي والإسلامي والعالمي كله، وبسبب موجات الإرهاب العاتية، نقف وكما لو أننا وضعنا على حافة الجرف، جرف الموت العالي جداً، وتركنا كي نحدّق مذهولين في فم الهاوية. كأننا جميعاً أخذنا بالإكراه أسرى، كي نتسمَّر على ذاك المنحدر الشاهق نفسه، منتظرين حائرين مرعوبين، لا نعرف أين ستكون المقتلة القادمة، ومن سيكونون ضحاياها الجدد؟ في سوق شعبي مزدحم، في الحي الذي نسكن فيه مثلاً، في المسجد، في الكنيسة، في الشارع العام، في عمارة شاهقة، في مطعم أو في مدرسة أطفال، في مديرية شرطة أو في ثكنة عسكرية، في متنزه بحري، في مستشفى للجرحى والمصابين، في صالة سينما، في، في..؟ لا أحد يعرف ولا أحد يتوقع، أين ستكون الضربة القادمة؟ ذئاب جهنم تنتشر في مدن العالم، تخطط وتستعد في الظلام، وتنتظر ساعة الصفر للتحرك والقتل. أجهزة الأمن والشرطة والجيش في حالة استنفار شبه دائم. الناس في حالة قلق وتوتر، توتر عالمي بالأحرى؛ ولكنها تحاول أن تعيش وتلعق جراحها وتتجاوز هذا الخطر الداهم. ولكن الخطر ما زال كبيراً، وكبيراً جداً، ووكلاء الإرهاب وزعماء الموت وشيوخه وجيوشهم وأذرعهم وقطعانهم ووسائل إعلامهم، لا يميزون في هذا بين صديق وعدو، ولا بين دولة فاشلة أو دولة متقدمة، ولا بين دِيْن ودِيْن، ولا بين شعب وآخر. فالكل عندهم يصلح لأن يكون هدفاً محتملاً يباع ويشترى، متى ما دارت لعبة الروليت القاتلة والمصالح ووجب تحطيم قطع الشطرنج، للعبور فوقها والوصول إلى الهدف الأكبر والثابت: تمزيق الأوطان ونهب ثرواتها، الاستيلاء على السلطة أو خطفها، استعباد البشر وتقطيع نسيجهم المجتمعي ودفعهم للبؤس واليأس والخضوع أو الهجرة، وأخيراً، إقامة دولة ثيوقراطية مافيوية طائفية وعنصرية فاشستية، على النمط الإخواني أو الداعشي أو الإيراني، تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر في السلَّم الحضاري والإنساني.

1

هذا المشهد الكابوسي العنيف والمخيف الذي يعيشه العالم اليوم، والعالم العربي بالخصوص، يجعلنا نتخيل بأن كائنات متوحشة همجية مسعورة من خارج التاريخ قد غزت التاريخ البشري، وها هي تمزّق كل ما سطرته ذاكرة الشعوب من قيم وأخلاق وقوانين ومعارف وعلوم وديانات وآثار وفلسفات وثقافات وفنون وآداب، إلى مليار قطعة وقطعة لتدفع بها بدم بارد إلى المحارق. فأي تاريخ هذا الذي نعيشه اليوم؟ وهل التاريخ الذي عشناه وعرفناه وقرأنا عنه وآمنّا ببعضه، ما هو إلاَّ مجرد ركام من الأكاذيب والأوهام التي كانت تُحَضَّر في الهوامش، كي يكون هشّاً ولقمة سائغة بهذه البساطة لهذا النوع من الضواري الجوراسيّة؟ فمن يربّي هذه الضواري؟ من يفتح لها معسكرات التدريب في بلاده؟ من يشحنها بحقن الكراهية العقائدية والموت؟ من يمولها ويوفر لها كل شيء ويسهر على ديمومتها، ثم يطلقها لتنهش القريب قبل البعيد، وتستشري في العالم بهذه البشاعة كلها؟

هذه الأسئلة الممضّة والجوهرية إذاً، لا تنفصل عن مفهوم الإرهاب وبيئته الحاضنة. فإذا كان الإرهاب، بحسب جان بودريار، مثله مثل الجراثيم، ثاوٍ في كل مكان؛ فإن الظاهرة الإرهابية كذلك لا تنفصل عن خطاب الأصوليات الإسلاموية المتطرفة، التي انبثقت منها وفرخت هذه الظاهرة الوبائية المميتة، ونحتت على حائط الشؤم والذاكرة السوداء للبشرية، صورة الإرهابي البشع أو فرانكشتاين المتأسلم. ولكن قبل التوقف عند مدارات الأصولية المتطرفة؛ دعونا نقول ما يلي: إن الإرهاب اليوم، الإرهاب المعولم كلية والعابر للقارات، والذي بلغ شأواً متعاظماً من التهديد والرعب والوحشية والانتشار دولياً؛ لم يعد هو نفسه الإرهاب التقليدي الكلاسيكي القديم الذي كان يمزج بين الدّين والجريمة والسخط السياسي، والذي ظهر مثلاً على يد جمعيات «العباءات الصفر»، و«اللُّوتس البيضاء»، و «حُمْر الحواجب»، و «الخيل النحاسية أو القصبات الحديدة»، وغيرها من الجمعيات، التي ظهرت في الصين في عام 170 ميلادية وما بعدها. ولا هو يشبه التنظيم الإرهابي المخيف والغامض والمعروف باسم «الحشاشين»، الشيعي الاثنا عشري المنبت والانتماء، الذي نشأ في فارس في القرن الحادي عشر ضدّ الخلافة العباسية السنّية، حيث كانت استراتيجيتهم في القتال تعتمد على أسلوب الاغتيال السياسي والتصفيات الجسدية لخصومهم. ولعل أسلوب الاغتيال هذا، هو ما اعتمدته وطورته جميع التنظيمات الإرهابية بعد ذلك، شرقاً وغرباً وفي كل مكان. ولا هو يشبه كذلك، الجماعة الدينية الهندية: «الفانسيجار أو الخنَّاقون» القتلة، أو ما كانوا يسمون بـ «خَدَم كالي»، أي عبدة الإلهة الهندية كالي؛ الذين ظهروا إبّان الاستعمار البريطاني للهند؛ واستخدموا الحبل كسلاح في قتل ضحاياهم. (*)

أقول: بأن إرهاب اليوم لا يشبه إرهاب الأمس، لا في وسائل التواصل والتخطيط، ولا في طرق التجنيد والتدريب والقتل، ولا في طرق التمويل والدعم، ولا في الأهداف المرجوة، ولا في حجم مساحات الصراع التي أصبحت عابرة للقارات. فإرهاب اليوم، يندرج تحت ما يسمّيه جاك دريدا بـ «حروب الدّين السبرانية»، التي يتم التحالف فيها بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي واقتصادي وعسكري وتكنولوجي، ممثلاً في وسائل الإعلام والاتصال المسبرنة عولمياً. فخلف لافتة الإسلام السياسي مثلاً، بأطيافه وتنظيماته السنّية والشيعية، هناك قوىً  أخرى بحجم دول، مثل تركيا وإيران وقطر، تمد هذه التنظيمات بالمال والسلاح والعتاد والتكنولوجيا، وتتبنى خطابها سياسياً وإعلامياً، وتحتضن قيادات هذه التنظيمات الإرهابية على أراضيها وتوفر لها الأمان والحرية والشرعية؛ وذلك من أجل أن تستخدمها في حروب أخرى تخصها وتحقق من خلالها أهدافها غير المعلنة. وعليه، فإن من يفعل كل هذا ويحتضن ويؤمن ويدعم كل هذا، فإنه لن يكون إلاّ إرهابياً متخفياً بين الظلال أو ظاهراً للعلن، سواء في مبناه أو معناه، حتّى لو ادعى مليون مرة بأنه عكس ذلك. فهو يعطي الأوامر ويحرك دُمَاهُ من بعيد أو من قريب، وفي أي ساعة يشاء وتحت أي ظرف محتمل؛ فهو يجلس على عرشه ويخطب في شعبه ويخاطب العالم عبر قنواته، كما لو أنه أتقى المؤمنين وأصدق الصديقين وأخلص الأشقاء المحبين؛ بينما غيوم هائلة من الدّم والضحايا والأكاذيب والأحقاد والمؤامرات، تظلل سماء شعبه النائم أو المخدوع، أو المخطوف، أو الفائر، أو المغلوب على أمره.

2 ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا