• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

إسرائيليون في سجل الإرهاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 06 مايو 2014

عبدالوهاب بدرخان

كاتب ومحلل سياسي - لندن

لافتٌ جداً أن يحصل تعارض بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول «تعريف الإرهاب». وقد حصل قبل أسبوع غداة صدور التقرير الأميركي السنوي عن أحوال الظاهرة الإرهابية ومكافحتها، إذ اعتبر هجمات المتطرفين اليهود ضد الفلسطينيين، المعروفة بهجمات «تدفيع الثمن»، أعمالاً إرهابية، مستنداً خصوصاً إلى أنها تستهدف المدنيين وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم في الضفة الغربية ولا يُحاسَب مرتكبوها.

ورغم أن الحكومة الإسرائيلية أخضعت هذه العمليات للمناقشة أكثر من مرة، وكان واضحاً انقسام أعضائها، إلا أن موقف الجناح المتطرف فيها هو الذي رجح في النهاية، إذ اتُخذت إجراءات وفُتحت تحقيقات إلا أنها لم تكن رادعة، باعتبار أن مستوطنين يشنّون الهجمات وأن وزراء معروفين يتعاطفون معهم.

حاول وزير الشرطة الإسرائيلي دحض الاتهام الأميركي، مستخدماً حجةً جدلية أكثر مما هي «وقائعية» تأخذ النتائج في الاعتبار. فالهدف من الهجمات الترويع والإضرار واحتقار معتقدات الآخر ومقدساته، لكنه يقول إنها لا تدخل في نطاق «التهديدات الإرهابية العالمية»، وأن «لا مقارنة بين حوادث إجرامية ذات دوافع قومية وحوادث متعلقة بالإرهاب». وإذ أشار التقرير إلى وقوع 399 هجوماً خلال العام الماضي، وأن «المتطرفين خربوا خمسة مساجد وثلاث كنائس في القدس والضفة»، وتعرّضوا أيضاً لفلسطينيي الداخل، إلا أن الوزير الإسرائيلي رفض المقارنة «بين أعمال إرهابية وقتل الإسرائيليين بدم بارد، وبين التخريب». لكن ما الفارق بين هجمات المستوطنين والعمليات الانتحارية للنشطاء الفلسطينيين، أليست هذه أيضاً «جرائم ذات دوافع قومية»، ثم إن هؤلاء وأولئك يقتلون، فهل هناك تمييز بين قاتل وقاتل، وبالتالي بين ضحية وضحية؟ وما القول في قاتل قومه قوة احتلال، وفي قاتل قومه تحت الاحتلال بكل ما يعنيه من إرهاب؟

في أي حال، هذه بداية أميركية تستحق التسجيل، إذ تعترف بوجود إرهاب إسرائيلي، ولو أنها تحصره في نطاق محدّد، ولا تدفع بالمنطق إلى مؤدّاه الحقيقي، أقلّه لرؤية الواقع كما هو: ممارسات الدولة العبرية ضد الإنسان الفلسطيني، واحتجازها الأسرى رهائن تساوم عليهم علناً، بل تستخدمهم للمساومة على إطلاق جواسيسها من سجون الدول الأخرى، بما فيها أميركا، إذ إن القاعدة الأولى في مكافحة الإرهاب ينبغي أن تعترف مبدئياً وفعلياً لكل الشعوب بالحق في الحياة والأمن. أما أن يكون «أمن إسرائيل» من الثوابت الاستراتيجية للسياسة الأميركية، وأن يُعتبر هذا الشعار مبرراً للتغطية على «إرهاب الدولة» الإسرائيلي، فهذه الوصفة لتوليد الإرهاب، بل لهذا فشلت وستفشل كل الجهود لمكافحته.

يصحّ التساؤل هنا إذا كان الأميركيون يضعون في حسابهم أن إسرائيل دولة معنية بمكافحة الإرهاب أم محرّضة عليه. تساؤلٌ لم ولن يطرحه أي تقرير أميركي، لأن واشنطن عوّدت نفسها على عدم الغوص في الدوافع المؤسسة لظاهرة الإرهاب، تجنباً للحقائق التي لا بدّ أن بعضاً منها سيكون قاسياً أو صادماً. ووفاءً منها لهذا التقليد، فإن تقريرها يقتصر على درس الوقائع التي استجدّت خلال عام.

وقد كانت الخلاصة التي أدلت بها الناطقة باسم الخارجية وافيةً جداً، إذ لاحظت أمرين: أن معظم العمليات الإرهابية يتسم بـ «الطابع المحلي»، وأن عدد الهجمات ضد الأميركيين قليل ويواصل تراجعه، أي أنه كان عاماً طيباً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فأخيراً يمكنها القول إن هدفاً رئيسياً تحقق: إعادة الإرهاب إلى «بيئته» - خفضاً للتكاليف ورفعاً للمسؤولية الأميركية. لكن ماذا عن الآخرين من حلفاء وأصدقاء وأشباه الأصدقاء؟

يحاول التقرير تحليل التحوّلات التي تشهدها ظاهرة الإرهاب، لكنه يُبدي انطباعاً وكأن أميركا كانت مهتمّة فقط بالانتقام من تنظيم «القاعدة» وما دامت استنتجت أن «هيكله القيادي الرئيسي» قد تقلّص وضعف لمصلحة الفروع التي فرّخها، فهذا يقترح أمرين: الأول أن الخطر ابتعد، ولذلك فإن صوغ السياسات الخارجية حالياً لم يعد يهجس بالإرهاب كمسألة ذات أولوية، والثاني أن استراتيجية المكافحة تتطلّب مراجعة عميقة وشاملة ولا يُظهر أن أميركا مقدمة عليها، ربما لأنها مرتاحة إلى ابتعاد الخطر عن مواطنيها وأرضها. ولو أن الساحة السورية المفتوحة لم تجتذب جهاديين من المقيمين، أو المتولّدين في بلدان أوروبية، لكان بإمكان الأميركيين، والغربيين عموماً، إعلان أن الإرهاب لم يعد خطراً ماثلاً، وطالما أنه عاد إلى مواطنه الأساسية فلا بد من إبقائه هناك.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا