• الأربعاء 05 جمادى الآخرة 1439هـ - 21 فبراير 2018م

هل تترأس أميركا في 2020؟

أوبرا وينفري جوهرة سوداء على عتبات البيت الأبيض

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يناير 2018

إميل أمين

وكأن واشنطن التي تعاني اليوم حالة تشظٍّ إنساني وصراع في الروح الأميركية الواحدة كانت في حاجة إلى نموذج إنساني ملهم يشد من أزرها، ويعود بها إلى مكانة «المدينة فوق جبل» التي تنير للعالم كنموذج خلاق سياسياً واقتصادياً، مالياً وأمنياً، ذلك النموذج الذي كاد أن ينطفئ في عيون العالم، في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين.

خلال حفل توزيع جوائز الـ«غولدن غلوب» الخامس والسبعين الذي جرى في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا في الغرب الأميركي سرقت «أوبرا وينفري» الكاميرا من كل الحضور، حيث تحدثت بلهجة إنسانية، وبلغة المناضلين، عن النسوة اللواتي عانين ويعانين في أميركا سواء في الماضي أو الحاضر.

يكاد الذين استمعوا إلى أوبرا وينفري في تلك الليلة أن يسترجعوا صدى أقوال الزعيم الأميركي الأفريقي المغدور «مارتن لوثر كنج» وخطابه حول تحرير الإنسان الأسود في الداخل الأميركي، صدى يحمل الأمل إذ أعلنت أن «يوماً جديداً يلوح في الأفق» لكل الفتيات والسيدات اللواتي عرفن طعم المهانة الإنسانية.

ألهبت «أوبرا وينفري» في تلك الأمسية حماس الأميركيين في شرق البلاد وغربها، ما دعا صحيفة «واشنطن بوست» لأن تنقل عن كارولينا جيلدا كوب هانتر (النائبة الديمقراطية عن ساوث كارولينا) قولها: «يا الله نحتاج لهذا الحماس... أتمنى أن تأخذ الأمر بجدية... هي أوبرا التي تستطيع أن تجمعنا معاً... ما هو الأمر الجدي الذي على أوبرا فعله؟ قطعاً التخطيط لخوض حملة الرئاسة الأميركية لتقود الديمقراطية إلى البيت الأبيض في 2020».

نموذج الحلم الأميركي

لعل ما يجعل الأميركيين يتطلعون إلى أن ترشح أوبرا وينفري نفسها للرئاسة القادمة، هو أن حياتها تمثل وبصدق فكرة الحلم الأميركي، أي الصعود من «مزالق المهانة إلى منعرجات المجد».

كانت البدايات الإنسانية المؤلمة للطفلة المولودة من أب وأم غير مرتبطين بالزواج رسمياً في التاسع من يونيو من عام 1954 في أحد الأحياء المعدمة تقريباً في مدينة «كوسيكو» بولاية مسيسيبي، ويبدو أن شظف العيش الذي عانته قد خلق في داخلها روح التحدي والرفض للأقدار السلبية، فقد كان التلفاز هو عالمها، وفي الثالثة من عمرها بدأت في تقليد ومحاكاة المذيعين، ولم تكن تدري أن حرفة الإذاعة والتلفزيون رابضة لها خلف الباب تتشوق أن تتسيد عليها.

ورغم أن والدها كان سبب شقائها، لكنه وربما دون أن يدري، كان سبب النعيم الذي عرفته لاحقاً، فذلك الرجل المتزمت شديد الطباع كان يجبرها أن تقرأ كتاباً يومياً، وتكتب تقريراً أسبوعياً عن الكتب التي قرأتها. كان الأمر ظاهره الألم، غير أن باطنه حمل لها الكثير من الأمل، ولهذا رأيناها تعترف لاحقاً: «لم أكن أغضب من تشدده وتجهم وجهه لأنه كان يحمل الاهتمام بداخله، كان يريد مني أن أخرج أفضل ما لدي في كل شيء، ولم يكن يقبل بأقل من ذلك».

ومع التاسعة عشرة من عمرها، وبخلفية فكرية زودتها بها قراءة متعمقة في غالبية مناحي الحياة، كان لا بد للقدر من أن يستجيب للوجه الأسمر الذي تحداه باسماً رغم المعاناة.

إنسانية بمليار دولار

ربما لم تبلغ مذيعة أميركية المجد الأدبي أو المادي الذي أدركته «أوبرا وينفري»؛ فمن مراسلة لإحدى قنوات إذاعة WVOL إلى امتلاك شبكة إعلامية حققت لها ثروة تقدر اليوم بنحو ثلاثة مليارات دولارات، بلورت «أوبرا» نموذجاً للنجاحات داخل مجتمع البائسين والمهملين في الداخل الأميركي.

على أن ما يميز تجربتها أمام الكاميرا، المشاعر الإنسانية والدفء والحميمية التي كانت تلاقي بها ضيوفها، فتجعلهم وكأنهم في غرفة للطبيب النفسي، لتنساب الاعترافات البشرية بما تحمله الروح الإنسانية من انتصارات وانكسارات، وقد رأينا ذلك في حلقات مختلفة، كان أشهرها تلك الحلقة التي سجلتها مع الرئيس الأميركي الأسبق «بيل كلينتون» وتحدث فيها عن تجربته المؤلمة في البيت الأبيض مع المتدربة «مونيكا لوينسكي».

امتلكت أوبرا مزايا غير موجودة لدى غالبية، إن لم يكن كل أقرانها من مذيعي البرامج الحوارية الأميركية، فقد كانت لديها مقدرة مثيرة للتنقل بك ما بين الفرح والترح، تأخذك إلى عالم الأغنياء فتبهرك، وتجول بك في دنيا الفقراء فتبكيك.. أما دور أوبرا في عالم الخير يحتاج لقراءة قائمة بذاتها، وأما خوض غمار القضايا ذات الصبغة السياسية والإنسانية معاً، فحدث عنه ولا حرج.

في العام 1991 أطلقت «أوبرا» حملة تأسيسية لتأسيس قاعدة بيانات وطنية عن أسماء المدانين بتهمة التحرش بالأطفال مدفوعة بمرارة طفولتها الماضية، حيث قدمت شهادة أمام اللجنة القضائية لمجلس الشيوخ دفاعاً عن قانون حماية الأطفال، وقام الرئيس الأميركي بالمصادقة على مشروع «قانون أوبرا» الذي اعتمد في العام 1993، وبذلك كانت حجر الزاوية في الدفاع عن حقوق الطفل الأميركي لجهة جرائم التحرش والاعتداء، وهو ما يذكره لها الأميركيون بكل الفخار.

أوبرا وأوباما

الذين قدر لهم أن يشاهدوا ليلة النصر الخاصة بـ«باراك أوباما»، شاهدوا الدموع تملأ مآقي عيني أوبرا، كما قال صديقها القس الأميركي الأفريقي «جيسي جاكسون»، الذي خاض بدوره غمار السياسة وعوالمها من قبل، ربما لم تكن تصدق في تلك الليلة أن الحلم تحول إلى حقيقة، وأن رجلاً من أحفاد أولئك المضطهدين قد قدر له الدخول إلى البيت الأبيض رئيساً.

كان لأوبرا دور فاعل في دعم «أوباما» مالياً وأدبياً، ما مكنه من الوصول إلى البيت الأبيض، إذ كانت هي المتحدث الأهم أمام 18 ألف شخص في ولاية إيوا لإظهار الدعم للشاب الأسمر الذي تجرأ على الأمل، وفي تلك الليلة قالت أوبرا للحشد الكبير: «أنها المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها أنني مضطرة للوقوف وإعلان تأييدي للرجل الذي أعتقد أنه يملك رؤية جديدة لأميركا».

الأمر نفسه تكرر أمام 29 ألف أميركي في كولومبيا، حين وقفت في حشد أغلبه من الأميركيين الأفارقة لتقول: «إن حلم مارتن لوثر قد وقف عند حدود الحلم، أما نحن فلا ينبغي علينا الاكتفاء بالحلم فقط، علينا أن نحول الحلم إلى واقع».

نجح باراك أوباما في الوصول إلى البيت الأبيض، والسؤال: هل داعب الحلم نفسه خيال أوبرا؟

عين على الرئاسة

منذ عامين عبرت أوبرا عن عدم اهتمامها بالترشح للرئاسة، وقالت في مقابلة مع تلفزيون «CBS» لدى سؤالها عما إذا كانت ستسعى إلى خوض انتخابات 2020: «لن أترشح لأي منصب»... هل تغير المشهد الآن سيما بعد خطابها الأخير؟

الشاهد أن هناك موجة من الاهتمام غير المسبوق من النخبة والعوام بـ«أوبرا» اليوم، وحماس فائق للدفع بها إلى صفوف مرشحي الحزب الديمقراطي بنوع خاص، وقد تحدث «ستيدمان غراهام» شريكها منذ فترة طويلة بالقول: «الأمر يتوقف على الناس... ستفعل ذلك بالتأكيد».

كما لم تتوقف التعليقات في التلفزة الأميركية، وجميعها تجمع على ضرورة تقدم «أوبرا» لصفوف المرشحين، من هؤلاء على سبيل المثال «تشارلز أدلر» مقدم البرامج الحوارية التلفزيونية الذي أشار إلى أنه «منذ العام 1980 كان هناك ثلاثة رؤساء لديهم قدرة كبيرة على التواصل مع الأميركيين: ريجان وكلينتون وأوباما»، وأضاف: «تستطيع أوبرا أن تكون التالية».

ولعل المتابعين لشبكات التواصل الاجتماعي قد رأوا كيف أن المطالبين بترشحها للانتخابات الرئاسية، يتزايدون بشكل غير مسبوق، فيما نقلت شبكة CNN الأميركية عن اثنين من أصدقائها المقربين قولهم: «إنها تفكر بفاعلية» في الترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية سنة 2020، ولكنها لم تحسم أمرها بعد بهذا الشأن.

مسوغات الترشيح

يتساءل البعض في الداخل الأميركي لا سيما من الجمهوريين المتزمتين: «ما الذي تمتلكه أوبرا للترشح للرئاسة، وأي دالة لها على عالم السياسة؟».

بداية يمكن القطع بأن ما تملكه أوبرا من الناحية المعرفية يفوق بمراحل ما يدركه «دونالد ترامب» عن أحوال العالم وخطوط السياسة الدولية وخيوطها. أوبرا ليست فقط إعلامية، إنما هي متمعنة ومحللة تقرأ جيداً في واقع السياسة الأميركية والعالمية وفي السياسة الأميركية الخارجية.

أن أفضل ما لدى «أوبرا» بالفعل هو شفافية ونصاعة تجربتها العملية، التي يمكن أن تعتبر، ومن جديد مثالاً للشباب الأميركي الباحث عن الحقيقة وسط أكوام الزيف والخداع، حتى النظرة للثروة، لها منظور آخر في أعين أوبرا.

في العام 2003 كانت مجلة «فوربس» تشير إلى أن «أوبرا وينفري» أضحت أول امرأة أميركية من أصول أفريقية تحوز مليار دولار، وفي أعقاب هذا التصنيف المثير في حياتها كان التساؤل: «ماذا يعني لك هذا الثراء؟».

جواب «أوبرا» جاء مثيراً كحياتها كلها: «لم يكن هذا أمر يشغلني، فقد كان تركيزي يدور في إطار المثابرة والاستمرار والنظر للأخطاء التي ارتكبتها ومحاولة تخطيها، فالذي لا يتعلم من أخطائه لن تستقيم به أمور الحياة».

وجه إنساني غير عنصري

لا تحمل أحاديث أوبرا أو تصريحاتها ملامح عنصرية، ولا تعرف الشوفينيات القومية، ولا العصبيات المذهبية طريقها إليها، ففي الوقت الذي كانت فيه الشاشات الأميركية تضع معايير ومحاذير لاستضافة العرب والمسلمين بشكل خاص، كانت أوبرا تستضيف شخصيات عربية وإسلامية، مثل الملكة «رانيا العبدالله» لتصحيح المفاهيم الأميركية الخاطئة الشائعة عن الإسلام.

والساعي للغوص في عقل وقلب «أوبرا» سيجد في المكتبة الأميركية ما نحوه عشرين كتاباً كتبت عنها، ومن بينها 4 كتب من تأليفها هي، من بينها كتاب «عش حياتك الأفضل» LIVE YOUR BEST LIFE، وعليه، لم يكن غريباً أن تمتلك «أوبرا» فلسفة إنسانية تكاد تصوغها في عبارات حكيمة من عينة «ضرورة إعطاء النفس وقت للهدوء والسكينة»، أو «حتمية أن تمتنّ للعناية الإلهية في كل استيقاظ جديد»، وعندها كذلك أن أحد أهم أسباب النجاح أن تعيش اللحظة الحاضرة، وتنصحك بأن «التوازن هو أحد أهم مفاتيح النجاح»، وتمضي معك في إطار «جعل معايير الجمال الخاصة فريدة».

في برنامجه (Peer – to – peer conversation) استضاف رجل الأعمال الملياردير «ديفيد روبشتاين» أوبرا على قناة «بلومبرغ» وسألها مباشرة عن فكرة خوض الانتخابات الرئاسية.. الجوهرة السمراء قالت: «هذا لم أفكر فيه، أنا لا أملك الخبرة اللازمة ومعلوماتي ليست كافية إلى الآن، ثم استرسلت: «يوماً ما».. ومؤخراً فكرت بالأمر وقالت: أنا أفكر.

يمكن تلخيص حياة أوبرا وينفري في عبارة أوردها الأديب العالمي «باولو كويلو» في روايته «ساحر الصحراء»، حين قال: «السعي إلى تحقيق الحلم، يساوي فهم الذات وتحقيق الذات، فعندما يسعى المرء إلى هدفه يتآمر العالم لكي يحقق له رغبته ما دام قد أوتي الشجاعة».

دعوة للقراءة

يوجد في المكتبة الأميركية قرابة عشرين كتاباً كتبت عن أوبرا، منها 4 كتب من تأليفها هي، من بينها كتاب «عش حياتك الأفضل» LIVE YOUR BEST LIFE، وقد كان لها مبادرة رائدة منذ العام 1996 حينما أدخلت إلى برنامجها فقرة بعنوان «نادي الكتاب»، وقد كان هدفه الرئيس تشجيع الناس على القراءة، ودرجت على اختيار رواية كل شهر تعرضها على مشاهديها آخر البرنامج، كانت تقف وبيدها الرواية، وتقول لجمهورها في الاستوديو ومتابعيها بالملايين عبر الشاشات: «هذا اختياري لهذا الشهر، وهي دعوة كافية لإقبال المشاهدين على قراءتها».

غراهام: ستفعلها

هناك موجة من الاهتمام غير المسبوق من النخبة والعوام بـ «أوبرا» اليوم، وحماس فائق للدفع بها إلى صفوف مرشحي الحزب الديمقراطي بنوع خاص. وقد تحدث «ستيدمان غراهام» شريكها منذ فترة طويلة بالقول: «الأمر يتوقف على الناس... ستفعل ذلك بالتأكيد».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا