• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م

كان من كبار فلاسفة الطبيعة المسلمين

جابر بن حيان.. صنعوي العلم الشريف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مايو 2018

عبير زيتون (دبي)

تتميز بحوث عصرنا الحديث بجنوحها العقلي التجريدي عند دراسة تاريخ المعرفة الإنسانية القديمة، وفق منطق الإحصاء وسيرورته في تتابع الأحداث والمعلومات، متجاهلة ما يتبطن في عمقها من روح تكامل المعرفة بين «النفس» و«الكون»، تميزت بها «علوم العصور القديمة» ما يجعل من معرفتنا لجوهر التجربة المشتركة للإنسان مع الطبيعة، معرفة جزئية وسطحية مليئة بالفجوات، وهي ترنو بعيدا دون الفهم العميق لجوهر دورها في تطور الحضارة البشرية.

وهذا ماينطق عند حديثنا عن تجربة أهم صنعوي عربي، وأحد كبار فلاسفة الطبيعة الإسلاميين جابر بن حيان، الذي تناولته الدراسات العربية من منطلق العلم الحديث، بوصفه رائداً للخيمياء العربية الإسلامية في القرون الوسطى، ومؤسساً لعلومها التجريبية، متجاهلة المعرفة الكلية الفلسفية والروحانية العميقة التي كانت تستبطن مؤلفاته المتعددة الجوانب والغايات، وجعلت منه أنموذجاً متطوراً في تاريخ «علم الخيمياء» الإسلامية، وإطاراً معرفياً فريداً في تكامله وتوسعه المعرفي، يميزها كما يقول فؤاد سيزكين في موسوعة «التراث العربي» (ج3) تلك الوحدة المطلقة، وذلك المنطق الأصيل للأفكار الموزَّعة على مختلف الكتب، وتلك الإحالات الببليوغرافية التي طالما ساعدت، كما ساعد التكرار المستمرُّ، على استشفاف الأفكار المهيمنة في «النظام الجابري» التي تشترك بسمات لغوية وتعبيرية خاصة وفريدة لها استدلالات فلسفية تمثل في كل نقطة منطلق المؤلف الحقيقي وقوته.

الروحي والمادي

وهنا نتساءل: هل تعريف الخيمياء الحديثة بوصفها الشائع أنها تحويل المعادن البسيطة إلى معادن وجواهر نفيسة، أو هي العلم الذي تُحضّر منه الأدوية وغيرها من التعريفات الكثيرة للخيمياء.. هي ذاتها خيمياء العلاّمة جابر بن حيان في ذروة ازدهارها في العصر الوسيط؟

يُعرّف جابر بن حيان الخيمياء في كتابه «الحدود» الموضوع عام 767 هـ بوصفها «علماً شريفاً» لاعلاقة لها «بسد الحاجة والفاقة»، ولا يمكن الفصل فيها بين الروحي والمادي، ولابين الطبيعي والميتافيزيقي، لأن العالم متناغم الأجزاء، ومتآلف الظواهر، كوحدة متجانسة، فكلُّ جزء له علاقة مع الأجزاء الأخرى. وفي وحدته تكمن الحقيقة. في هذا الجانب، تأتي نظريته الخيميائية المهمة «علم الميزان» كما يذكر سيزكين، والتي تقوم على عنصرين أساسيين: النِّسب، والأعداد بكل أبعادها الأنطولوجية الساعية إلى فهم نواميس الكون، وقياس ظواهره، وموقع الإنسان فيها، والتي كان لها الفضل في تاريخ العلوم الإنسانية، في اكتشاف طبيعة العلاقة التكاملية الحقيقية بين الفيزياء، وعلم النفس، والتي حاول من خلالها جابر تفسير العلاقة القائمة بين التجانس الموسيقي السائد في أفلاك السماء، وبين تجانس عالمنا الجسدي منطلقاً من الدور العظيم للعنصر اللغوي، وطبيعة الصلة بين «الموسيقى» واللغة من جهة، وبين نظرية أصل اللغة من جهة أخرى، معتمداً على دور العروض الذي يرى أنه «لا ينبغي أن ينظر لها إلا كمرحلة أولية للموسيقى كما هو الحال في الماضي البعيد». ويقول جابر في إحدى رسائله، «إذا كانت الموسيقى والعروض تأليفاً عددياً، فالنفس، سواء أكانت نفس الجوهر أم نفس العالم تتلاءم مع هذا التعريف إذ تطبع نفس العالم فيها التأليف المناسب لها عند اتصالها بالجرم، وتصنع أجساما تخضع للعدد والكمية مما يثبت العلاقة الوثيقة بين تركيب الأجسام من جهة وبين تركيب اللغة من جهة أخرى. فاللغة جوهر طبيعي الأصل، لا ترجع إلى وضع، وإنما إلى تشوق النفس التي تشكل (مادة) الكلام فهي صناعة النفس لذلك هي جوهرية».

متعدد الاهتمامات

ومن علامات جابر العلمية المميزة أيضاً في «الصنعة» كما كانت تسمى الخيمياء قديماً، تدبير الأكاسير على أساس مواد حيوانية ونباتية، معتمدا على فكرة أن كل الأشياء في العالم الطبيعي يتركب من عناصر أربعة من الممكن عن طريق نظرية «الميزان» التحكم بالتغيرات وتحديد تركيبة الجسم منها بدقة. ويعد جابر بن حيان صَنعوياً بالدرجة الأولى، وإن كانت اهتماماته امتدت إلى الطب والطبيعة والرياضيات والفلسفة، وكل فروع العلوم الأخرى التي كانت مزدهرة في عصره، مستفيدا من العلوم الإسلامية التي بدأت بكل فروعها في القرن الأول/‏‏ السابع التي تشكل بدورها تطوراً متواصلاً لاتجاهات العلوم الإنسانية المترجمة عن اللغات الأخرى والمزدهرة في عصره، وتعود إلى القرن الأخير ما قبل الإسلام، وكان لها دور في نشأة وتطور المصطلح العلمي في العالم الإسلامي. ولغاية الآن لا يعرف على وجه التحديد، الكثير عن ظروف حياة جابر بن حيان، كما هو حال سائر علماء الطبيعة الآخرين، والعديد من فلاسفة الطبيعة الذين عاشوا قبل البدء في تدوين المؤلفات البيوغرافية والبيلوغرافية المتعلقة بهذا المجال، ولكن المصادر التاريخية تقول حسب «موسوعة التراث العربي» (ج3) إنه ولد في الكوفة، ويذكر ابن النديم عن أحد الصنعويين الذين يصفهم بالثقة، أن جابراً كان ينزل في شارع باب الشأم في درب الذهب، وأن أكثر مُقامه في الكوفة لصحة هوائها في تدبير الأكسير، وقد وجد في الكوفة بين (356هـ 967م 367هـ 977م) كما تتباين الأخبار حول سنة وفاته التي لم تحدد بعد، وتفيد بعض المخطوطات أن جابراً عمّر أكثر من تسعين عاماً، وتوفي في طوس عام (200هـ 815م).

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا