• الجمعة 08 شوال 1439هـ - 22 يونيو 2018م

ختم حياته بنبوءة تركت مفاعيلها في الوعي الغربي: أوروبا ستصبح إسلامية

برنارد لويس.. مؤرخ مستشرق أم خبير استراتيجي؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مايو 2018

د. فتحي المسكيني

حين يموت مؤرّخ كبير، ولاسيّما عندما يكون موضوع اختصاصه هو تاريخنا الذي يشكّل هويّتنا العميقة، مثل برنارد لويس (1916-2018)، يشعر المعاصرون بأنّ حقبة من تاريخ العالم الحالي قد أُقفلت، بما تحتويه من أسئلة ولكن أيضاً بما ادّعته من أجوبة حول «نفسها»، وبالتالي حول «الآخر» الذي تفترضه.

تزداد خطورة المؤرّخ بقدر ما يقترب من قلب العالم الذي يعاصره. وهذا شأن برنارد لويس: هو بريطانيّ المولد، أميركي المواطنة، فهو إذن مؤرّخ إمبراطوري بشكل مضاعف، نعني يتكلّم في نبرة القوى العظمى التي هيكلت صورة العالم كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كيف نبني العالم على أنقاض الدول القومية التي دمّرت بعضها، واضطرّت إلى الدخول في عصر ما بعد قومي، عصر القانون الدولي الذي تسطّره القوى العظمى المنتصرة؟

كتابات مزدوجة

إنّ الخاصية المثيرة في كتابات برنارد لويس هي كونها كتابات مزدوجة النبرة أو ذات سرعتيْن سرديّتين. علينا دوما أن نلمح صدى المثقّف المنتمي (اليهودي الغربي المندمج) تحت صوت المؤرّخ الأكاديمي (المستشرق الذي لا تهمّه «الذات» التي يدرسها بوصفها «موضوعا» للدراسة). وحتى لو فرضنا أنّنا لم نبلغ في حكمنا على أعماله مبلغ أطروحة إدوارد سعيد عن الاستشراق، أي عن «العلم الزائف» الذي «شرقن الشرق» حتى «يعرفه»، أي حتى «يموضعه» ويخضعه إلى «السلطة الإبستيمولوجية» للمؤرخ «الغربي»، فإنّه لا يجدر بنا أن نغفل الجذر الهووي الذي ظلّ يحرّك برنارد لويس منذ البداية، وبالتحديد منذ كتابه الذي حرّره سنة 1947، ونشره لأوّل مرة سنة 1950 تحت عنوان «العرب في التاريخ» قائلاً في أوّل جملة من تصدير الطبعة الأولى: «هذا ليس تاريخاً للعرب بقدر ما هو محاولة في التأويل»1. ولأنّ هذا الكتاب قد تُرجم إلى العربيّة بشكل سريع منذ سنة 1954 على أنّه كتاب «موزون يستحق القراءة»2، فإنّه من المفيد أن نعيد قراءة الشاهد الذي أوردناه من الإنجليزي في ترجمته العربية، حيث يقول:«ليس هذا الكتاب تاريخاً للعرب بقدر ما هو رسالة أو مبحث يقصد إلى التعليل والتفسير»3. إنّ ترجمة مصطلح «interpretation» تكفي وحدها كي نستطلع المسافة المريبة التي تكتنف النص وطريقة فهمه: هل يتعلق الأمر بموقف «تأويلي» من تاريخ العرب أم بإعداد «تعليل وتفسير» علمي حول تاريخ العرب؟ إنّ قضيّة الاستشراق ليس لها من رهان آخر غير معالجة هذه الصعوبة.

ربّما علينا أن نشير إلى أنّ نكبة فلسطين سنة 1948 قد كانت فاصلاً حاسماً في مسيرة برنارد لويس: لقد تمّ منعه من دخول البلدان العربية، وبالتالي من مواصلة البحث الميداني حول تاريخ العرب، ومن ثمّ كان عليه أن يغيّر وجهته الأكاديمية، وهو ما فعله عندما توجّه نحو دراسة تركيا العثمانية. وقد نشر بعد ذلك كتباً مرجعيّة في هذا الاختصاص مثل «نشأة تركيا الحديثة» (1961)، و«إسطنبول وثقافات الإمبراطورية العثمانية» (1963)، و«المسيحيون واليهود في الإمبراطورية العثمانية: كيف يشتغل مجتمع متعدد» (1982)، و«أتاتورك يغيّر وجه أمّة» (1995)، لكنّ تركيا إنّما كانت لجوءًا أكاديميّاً، وليس وجهة تأويلية. أمّا العرب فقد كفوّا عن أن يكونوا موضوعا للاختصاص وتحوّلوا ليس فقط إلى مقصد تأويلي كما هو الحال سابقا، بل إلى رهان نقدي متعلق بسياسة الغرب حول العالم الإسلامي برمّته، ليس في النصوص التراثية، بل في القرارات الدولية في شأن قضاياهم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا