• السبت 08 ذي القعدة 1439هـ - 21 يوليو 2018م

كلمات وأشياء

خذوا العبرة من بارما

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مايو 2018

بدر الدين الإدريسي

ما شدني لمنصة كرة القدم الإيطالية التي تحفل كعادتها بالعديد من المتناقضات، ليس القبضة الحديدية التي تمسك بها السيدة العجوز على عروش إيطاليا منذ وقت ليس باليسير، وليس الوداع الدامع للأسطورة بوفون، الذي أوقف الزمن الأنطولوجي مع البيانكوري بإعلانه الرحيل عن قلعة البطولات.

ما شدني هو صعود نادي بارما للدرجة الأولى لدوري الكالشيو، هو من رمى به إفلاسه قبل ثلاث سنوات إلى الدرجة الرابعة، لقد صمم نادي بارما واحدة من الحكايات الخرافية، التي تستحق أن تروى للأجيال الحاضرة وحتى للأجيال القادمة، لأن فيها ما يرمز للتحدي وللإيمان بالقدرات وأيضا للقدرة على كبح جماح اليأس، وما يظهر الوجه الذي لم نتعرف عليه في مشهدنا الكروي العربي، للاحتراف الذي لا يقبل أبدا بلغة العواطف.

قبل ثلاث سنوات كان نادي بارما في طريقه لتأمين مركزه السادس في الدوري الإيطالي الذي يخول له المشاركة في منافسات الاتحاد الأوروبي، ليصدمه قرار صادر عن الاتحاد الأوروبي يقضي بحرمانه من المشاركة بسبب دين لم يتم سداده، ولا يزيد على 300.000 يورو، أشهر بعد ذلك ستهتز إيطاليا كلها على وقع مأساة، ذلك أن الافتحاص سيقود إلى حقيقة صادمة، وهي أن ديون بارما وصلت لـ200 مليون يورو، نتيجة لجنوح غير مقبول عن القواعد المالية، ما سيترتب عنه حكم يقضي بإنزال النادي للقسم الرابع.

لم يكن هناك مجال لنصب حائط للمبكى ولا لتسول الشفقة، فقد بيعت كؤوس وألقاب وممتلكات، إلا شيئاً واحداً أصر أهل بارما على عدم بيعه ولو بمال الدنيا، الكرامة والأنفة.

وفي قصة من قصص الخوارق، سيعض بارما على النواجذ، ليبدأ بالفعل رحلة الصعود من غيابة الأقسام السفلى، وسينجح بالفعل في كتابة واحدة من أجمل الملاحم، إذ سيتمكن من تحقيق العودة للدوري الإيطالي الممتاز بعد ثلاثة مواسم من مغادرته بحكم قضائي لا يقبل لا النقض ولا الإبرام، إذ تمكن في مواسمه الثلاثة من عبور الكثير من الفيافي، جاب آلاف الكيلومترات بلا وهن ولا كلل، وكانت الجملة التي تتكرر في وجدان كل مكونات هذا النادي هي:«لقد قالوا عنا قبل ثلاث سنوات أننا متنا، والحقيقة أنهم ظلمونا».

في الذي أنجزه بارما للتاريخ الإنساني أولا وقبل كل شيء، جملة من الدروس التي يجب أن تحضر في كراسات أنديتنا العربية، أول هذه الدروس أن من أخطأ عليه أن يتحمل وزر خطئه، فلا يتمسح ولا يطلب الشفقة، وثاني الدروس، أن جبال الديون لا تستطيع مهما علت أن تسحق الإرادات، وثالث الدروس أن لا يأس مع الحياة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا