• السبت 06 ذي القعدة 1438هـ - 29 يوليو 2017م

الغريب أن مبيكي أعلن أنه «تاتشري» أي في أقصى مواقع «عنف السوق والرأسمالية»، وهو ابن حزب «المؤتمر الوطني الأفريقي»، الماركسي سابقاً!

الزعامة الفاعلة في جنوب أفريقيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 04 يوليو 2017

حلمي شعراوي*

يقدم الزعيم ثابو مبيكي مثالاً عملياً عن فاعلية «الزعامة البراجماتية»، في بلده وطبقته، وقارته. ولا يشاركه في ذلك تقريباً إلاّ «أوليسيجون أوباسانجو» من نيجيريا، ممن يحرصون على السلوك القيادي، وهم في الحكم وخارجه، حتى أنني دُهشت في جوهانسبرج مؤخراً مما ينشئه «مبيكي» بين عام وآخر، بعد ترك الرئاسة -من مؤسسات لتدريب الشباب أو تنمية الفكر الأفريقي مثل معهد القادة في جامعة جوهانسبرج، أو مؤسسة مبيكي للحوار، أو مؤسسة تنمية الديمقراطية في أفريقيا... الخ.

والغريب أن مبيكي كان يعلن في أواخر التسعينيات أنه «تاتشري» أي في أقصى مواقع «عنف السوق والرأسمالية»، وهو ابن حزب «المؤتمر الوطني الأفريقي»، الماركسي سابقاً! كما أنه بات يشتهر ببناء صرح الطبقة الوسطى، أو البرجوازية السوداء، وهو القادم من معارك «سويتو» و«شاربفيل» الاجتماعية... وابن نلسون مانديلا -ماديبا الفقراء السود. ولكن تمسكه بالاعتماد على طبقة البيض الفاعلة في نظره جعله يترك لهم 70 في المئة من ثروة البلاد هي في يد 10 في المئة، ويوقف الإصلاح الزراعي في بلد يخصص 80 في المئة من الأراضي للبيض، بينما يتيح لأبناء جلدته السوداء «عالم المشروعات الصغيرة خارج جنوب أفريقيا» مع عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة من المليارديرات السود، على رغم نشوء حزب راديكالي من شباب المؤتمر أصلاً باسم المناضلين من أجل تحرير الاقتصاد الوطني.

وكل هذه المقدمة تحاول الإجابة عن سؤال: كيف تتحرك زعامة براجماتية مثل مبيكي ولا نقول «كاريزمية» مثل مانديلا، لتضع نفسها وبلدها في قلب القارة، بكل هذا الحضور الذي سنتحدث عنه، مع أنها كانت تخضع للمقاطعة الكاملة وعزلة الأبارتايد المعروفة؟

وهذا الدرس الذي نقدمه عن مبيكي، وجنوب أفريقيا، هو الدرس الذي أقصد أن يتفهمه أي باحث حول بناء الدور.. وكان هذا التكوين كله يخضع لهيمنة نفسية واجتماعية للزعيم مانديلا، مما يبدو أنه أراح مبيكي من العمل الداخلي ليتفرغ لتأسيس حضور جنوب أفريقيا الكاسح على المستوى القاري والعالم الخارجي، بادئاً بغزو الماردَين الهندي والبرازيلي في عام 2003 ممهداً لظهور كتلة «البريكس» مع الصين وروسيا في عام 2011. وكان أول النجاح لمبيكي أنه قد جاء كأول رئيس للاتحاد الأفريقي في ديربان.

وقد شعر بأن التحالف مع «أوباسانجو» في قيادته لمنظمة دول غرب أفريقيا «للإيكواس» تتيح طرح عضويتهما الدائمة -دون غيرهما- في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، ولولا مقاومة الأغلبية لهذا الطرح الذي يكشف طموح الدولتين المتنافستين أصلاً على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي باسم أفريقيا لكانت السيطرة اكتملت على الاتحاد... وهو بهذه القوة شكل حماية من الهجوم الدولي على الزعيم الزيمبابوي موجابي، حيث ينفذ سياسة في توزيع الأرض حاول مبيكي حجبها وعدم الدعاية لها في بلاده التي لم تقدم جديداً في هذا المجال.

ثم راح مبيكي إلى ساحة منطقة البحيرات! ليحل جزءاً من صراعات القوى في الكونغو الديمقراطية، ولو بالقوة المسلحة، ويدخل سلمياً في مشروع سد «إنجا» بمراحله المختلفة (كلف 50 مليار دولار).. وذهب للتوسط في مشكلة الصراع بساحل العاج، وهو الوسيط الدائم في مشاكل دارفور وجنوب السودان، وعينه على شركات البترول التي تعمل في البلدين.

وقد تحرك اقتصادياً في أنحاء القارة شرقاً (كينيا- تنزانيا) وغرباً (سيراليون- ليبيريا ومالي) باستثمارات كبيرة نسبياً. وحاول مبيكي أيضاً أن يقترب من الشمال الأفريقي، وقد كتب عن «الربيع العربي» في الشمال، وما جرى فيه مقارنا بهدوء الجنوب الأفريقي في مجال التغيرات الضرورية بالبلاد.

ولا نستطيع أن نختم إلا بتأكيد المعنى السابق لأن الحضور السياسي لبلد ما يحتاج لحضور في مختلف المواقع السياسية والاجتماعية والفكرية.

* مدير مركز الدراسات العربية والأفريقية- القاهرة

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا