تتم الاستفادة منها في مجالي العطور والأدوية العشبية

تقطير ماء الورد صناعة عُمانية تقليدية في طريقها نحو التطوير

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 23 أبريل 2013

يوسف البلوشي

يشتهر أهالي الجبل الأخضر في ولاية نزوى بعمان بصناعة تقطير الورد التقليدية، دون سواهم، نظرا للمساحة المزروعة من محصول الورد، والاهتمام الذي يلقاه لكافة العمليات الزراعية من الري والتسميد والتنظيف، ومن ثم عملية قطف الأزهار وجنيها حتى موقع عملية التقطير، ويتم من خلال وجود أزهار الورد استخراج مياه عطرية نقية، يتم استخدامها في المناسبات والأفراح، وكذلك للتداوي من بعض الآلام والأوجاع. وحرصت الحكومة العمانية على المحافظة على هذه الصناعة التقليدية، ووضع الخطط لتطويرها.

في مشهد موسمي يشق المسن إبراهيم الخروصي طريقه إلى سفح الجبل الأخضر، وهو يتأبط بعض الشجيرات، مجسداً الخطوة الأولى من مراحل صناعة تقطير الورد، التي طالما حملها عن السابقين وتوارثتها الأجيال، حيث تعد صناعة تقطير ماء الورد من أهم الصناعات التي اشتهرت بها سلطنة عمان منذ قديم الزمان، وعرف بها تحديدا الجبل الأخضر في ولاية نزوى.

موعد القطاف

إلى ذلك، يقول سعود الغريبي، من سكان ولاية مزوى، إنه «مع حلول شهر مارس من كل عام تبدأ أزهار الورد بالتفتح بعدها يكون موعد قطف الأزهار مع بداية شهر أبريل، والتي تكون منذ الصباح الباكر منذ أن تظهر علامات الفجر الأولى، وقبل أن تظهر أشعة الشمس، حيث إن في ذلك حكمة تقوم على أساس أن الندى العالق بأزهار الورد يجعلها متماسكة ويمكن قطفها بسهولة، أما إذا تعرضت لأشعة الشمس فإنها تتفتت ويصعب جمعها، وبالتالي فإن عملية جني المحصول لا بد أن تكون عند بداية الفجر وقبل طلوع الشمس».

ويضيف «تزدان مدرجات الجبل الأخضر الزراعية بأشجار الورد التي تكسو البقعة الخضراء بلون وردي جميل في شهري أبريل ومايو من كل عام لتنشر الروائح العطرية الزكية في كل قرية وفي كل بستان وفي كل فناء منزل، بينما تشهد قرى الجبل الأخضر صناعة محلية تشتهر بها هذه النيابة التابعة لولاية نزوى بالمنطقة الداخلية والتي تتمثل في تقطير ماء الورد باستخدام طرق تقليدية وحديثة، وفق جهد المزارع في هذا المجال وقدرته على الوفاء بمتطلبات الصناعة المحلية من ماء الورد، ويعتبر هذا المحصول ثاني أهم منتج زراعي بعد ثمار الرمان في الولاية».

وتحظى صناعة تقطير الورد باهتمام حكومي، إلى ذلك، يقول محمد الفارسي، من الهيئة العامة للصناعات الحرفية «ينتشر اللون الوردي الفاتح في مساحات شاسعة بمنطقة الجبل الأخضر الصخرية الوعرة في السلطنة في مشهد بديع مع تفتح زهور الورد وانتشار عبق رائحتها المميزة في جميع الأنحاء، وتمتلئ بساتين الورود فجر كل يوم في موسم قطف الزهور بسلطنة عمان برجال ونساء يجمعون أوراق الورد ذات الرائحة الزكية».

ويضيف «تمتاز منطقة الجبل الأخضر بتعدد أنواع الأشجار والنباتات ذات الفوائد الكثيرة سواء المقطر منها مثل ماء الورد ونبات الجعداء وأشجار الياس والكيذا، أو المستخلصة زيوتها مثل أشجار الشوع والقفص وأشجار العرش». ويتابع «يزرع الورد في منطقة الجبل الأخضر بكميات كبيرة ويقوم المزارعون بتصنيع هذا الورد كغيره بطريقة بدائية، ولكنها متعبة بيد أن المشقة والتعب ينتهيان حين يحصل صاحبهما على ثمرة جهده على ماء الورد المقطر الصافي»، مشيرا إلى أن شهر أبريل تتفتح فيه زهور الورد حيث يقوم صاحبها بقطفها ثم يأخذها إلى مصنعه المتواضع المبني من الطين والحصى وله باب صغير يتلاءم مع كمية الورد المراد تصنيعها وهذه الغرفة تسمى «الديهجان».

مراحل الصناعة

حول مراحل تقطير ماء الورد، يقول محمد الرحبي من سكان الجبل الأخضر إن «مراحل تقطير ماء الورد تبدأ من أن يحشى وعاء خاص يسمى «البرم» بالورد المقطوف، ويبقى بالبرم فراغ يوضع به إناء نحاس يتسع من الأسفل للتر من الماء البارد، ثم تشعل النار في «الديهجان» بوساطة الحطب المجموع سابقا، وتستمر النار مشتعلة لمدة ثلاث إلى أربع ساعات متواصلة، حيث يسيل الماء من الورد إلى الإناء النحاسي المغلق بإحكام، ثم يقوم المزارع بتغيير الأزهار الموجودة بالبرم، ثم يقلب بعد كل عملية تقطير بآلة خاصة وبكل ما يستطيع من قوة، ثم يفرغ ما يحصل عليه من ماء ورد في إناء فخاري كبير وهو إناء خاص يسمى بـ»الخرس»، وبعد ملئه بماء الورد يقوم بتغطيته بغطاء من الجلد، ويربطه ربطا محكما لكي لا يدخله أي جسم غريب».

ويضيف «تستغرق عملية التغطية أربعين يوما بعدها يفك الغطاء الجلدي، ويقوم بتعبئة ما لديه من ماء الورد المصفى بزجاجات تتسع للتر وأكثر من ذلك، ثم يقوم بتغطيتها وربطها وبيعها»، مشيرا إلى أنه في القدم كان أهل الجبل الأخضر يستخدمون الحطب كوقود في عملية التقطير، ولكنهم باتوا يستعملون الآن الغاز.

وحول التطويرات التي طالت الصناعة، يقول سلطان المعمري، أحد ممتهني هذه الصناعة «أدخلت على صناعة تقطير ماء الورد تحسينات على الطريقة المتبعة حاليا في التقطير بالجبل الأخضر؛ منها إقامة المبنى من الطوب الحراري بدل الحجارة أو الطوب العادي وذلك لحفظ كمية أكبر من الحرارة، وعمل باب من الزجاج (من الأنواع التي تتحمل الحرارة) قابل للفتح والغلق لسهولة مراقبة اشتعال النار بالداخل، حيث إن الطريقة الحالية تجعل الباب فيها مفتوحا ما يسمح بانبعاث الدخان والغازات الناتجة من الشعلات بالغرفة، ووضع فتحة تهوية في إحدى زوايا المبنى (الديهجان) حيث تلحق هذه الفتحة بأنبوب يؤدي إلى الخارج؛ وذلك للتخلص من الغازات والدخان المنبعث».

ويضيف «لقد تم عمل قاع بالبرم لتلافي الحرارة المباشرة على أزهار الورد والتقليل من الاحتراق، حيث إن الطريقة الحالية تعرض الأزهار إلى الاحتراق المباشر ما يؤدي إلى فقد جزء كبير منها ومن البخار الناتج وكذلك احتراق الزيت، ووضع تهوية للقاع (الكاذب) لتلافي تمدد الهواء داخل الفراغ الموجود بين القاع الأساسي للبرم والقاع المضاف». ويتابع المعمري «تم وضع حامل داخل الإناء أثناء تجميع الورد حيث يتم ربطه من فوهة البرم، وينزل للداخل لمنع انضغاط الأزهار إلى الأسفل، حيث إنه في الطريقة الحالية يتم وضع الإناء فيها فوق الأزهار ما يسبب انضغاط الأزهار إلى الأسفل ما يقلل عملية التبخير وبالتالي كمية ماء الورد المكثفة. وبتلاقي انضغاط الورد يعطي فرصة أكبر للتبخير والاستفادة من أكبر قدر من الأزهار وبالتالي زيادة كمية السائل المكثف».

أفكار تقدمية

حول فكرته في تطوير مهنة تقطير الورود، يقول محمد الرحبي «يتم إيجاد ماء مستمر لتجديد ماء التكثيف بالقرص الموضوع على فوهة البرم، حيث إن الفائدة من هذه الطريقة هو تقصير على وضع الماء بالقرص عند وضع الأزهار داخله، ولا يتم تغييره إلا بعد تجديد الورد بالبرم كل ساعتين لذلك ففي هذه الحالة يصل ماء القرص إلى درجة الغليان ما يقلل كفاءة التكثيف. إضافة إلى عمل خزان يخرج منه الماء إلى القرص بشكل قطرات منتظمة وعند امتلاء القرص فإن الكمية الرائدة تذهب إلى داخل خزان آخر».

ويضيف «يعمل جهاز حديث لتقطير ماء الورد بوساطة الفصل والتكثيف، لتقطير أزهار الورد التي تجود بها مدرجات الجبل الأخضر والمنتشرة بشكل كبير في المزارع، ويتكون هذا الجهاز من جزأين هما الجزء العلوي وفيه يتم وضع الماء البارد اللازم لتكثيف البخار وتحويله. والجزء السفلي الذي يتم فيه وضع الماء اللازم للغليان، وكذلك المادة المراد تقطيرها حيث يكونان منفصلين».

ويوضح الرحبي «بداية يتم وضع الماء اللازم للغليان ثم توضع المادة المراد تقطيرها على جزء منفصل فوق الماء، حيث لا يلامس الماء بعد ذلك يتم وضع الماء البارد في الجزء العلوي للجهاز واللازم للتكثيف. وعند اشتعال النار يبدأ الماء الموجود في أسفل الجهاز بالغليان باعثا بخارا يمر بالمادة المراد تقطيرها، ثم يصطدم البخار بالجزء العلوي الموجود به الماء البارد ما يؤدي إلى تكثيفه وتحويله إلى الحالة السائلة، والذي يتم استقباله في إناء معد لذلك. ويكون الناتج أبيض اللون ذا رائحة طبيعية كرائحة أزهار الورد، وهي على الشجرة ويمكن استعمال هذا السائل إلى جانب العطور لبعض أنواع الأطعمة وخاصة الحلويات»، مؤكدا أنه على الرغم من الإمكانات البسيطة في كيفية صناعته وتسويقه إلا أنه اكتسب شهرة كبيرة في المناطق العمانية، ويعد من المحاصيل المهمة لمصادر دخل المزارعين، ويقدر عدد أشجار الورد الموجودة حاليا في الجبل بنحو 5000 شجرة.

مركز تدريب متخصص

يعد مركز تدريب وصناعة النباتات العطرية بالجبل الأخضر إحدى المبادرات الناجحة في تطوير الحرف العمانية والنهوض بالقطاع الحرفي من خلال الدور التأهيلي والتدريبي للمركز، حيث يسهم المركز في تدريب الحرفيين العمانيين على الرقي بصناعة التقطير باستخدام مناهج علمية حديثة وطرق مبتكرة يتم تدريسها من قبل مدربين أكاديميين ومشرفين متخصصين في عمليات التقطير العطري وفق مواد مخصصة للعمل الحرفي، وفي هذا المجال تتواصل مراحل البرنامج الخاص بتدريب عدد من حرفي الجبل الأخضر على صناعة النباتات العطرية، كما يعمل المركز على تأسيس ثقافة الاستفادة من المعدات الحديثة في صناعة النباتات العطرية.

كما يقوم المركز على صناعة بعض المقطرات العطرية على مدار العام كمقطر ماء اللبان ونباتات الجعدي واليأس والعلعلان والزعتر والثوم والقرفة والقرنفل والزموتا، بالإضافة إلى زيت اللبان والورد المجفف، فيما يتم تقطير بعض المقطرات العطرية بشكل موسمي كصناعة تقطير ماء الورد حيث تمتد فترة التقطير من نهاية شهر مارس إلى آخر شهر أبريل.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما هو أفضل مسلسل يعرض في رمضان؟

السيدة الاولى
صاحب السعادة
سرايا عابدين
الغربال
باب الحارة