• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

علم البيان والأدب «21»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 22 أغسطس 2016

كان النصف الثاني من القرن الثالث زاخراً بالعلماء الذين تثقفوا بثقافة هذا العصر، وهي ثقافة ضخمة واسعة الأرجاء، متشعبة الجهات، متعددة الروافد، وقد انصب فيضها في عقول هؤلاء، وجرى على ألسنتهم، فأودعوه ما ألفوا من الكتب، وصنفوا من الرسائل، وزانوا تلك المعارف التي ثقفوها عن العرب، وأفادوها من الإسلام، ونقلت إليهم من آثار الأجانب بثمرات عقولهم وأذواقهم، وإن الإنسان ليعجب حين يطلع على هذه المؤلفات التي كتبوها، وحين يحاول إحصاءها، فيجدها تعز على الإحصاء.

ويعتبر القرن الثالث الهجري قرن ازدهار الأدب وفنونه، فقد برز فيه أمثال ابن قتيبة «276»، والمبرد «285»، وثعلب «291»، وعبدالله بن المعتز «296»، ويكفي أن نقرأ فيه آثاراً كالكامل للمبرد، والبديع لابن المعتز، وأدب الكاتب لابن القتيبة الدينوري، وتأويل مشكل القرآن، وقواعد الشعر لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وغيرها من البحوث الجليلة التي خلفها أولئك العلماء.

وتلك الكتب وإن كانت تعرض للبيان، وتدرس الأدب وفنونه، إلا إنها تختلف اختلافاً كبيراً في مناهجها، وتتفاوت في مادتها، على حسب عقليات مؤلفيها، واختلاف ثقافتهم، ومدى إدراكهم الموضوع، وإن كان موضوعها لا يجاوز البحث في الأدب والبيان، في كلياته أو جزئياته ومدى اقتدار أصحابه عليه وتمكنهم منه.

كتاب المبرد ألفه أبو العباس محمد بن يزيد بن عبدالأكبر، المعروف بالمبرد، وهو كتاب زاخر بفنون الأدب مع كثير من الشرح والتحليل، وكثير من النقد والموازنة، وقليل من الكلام في عناصر الأدب، والطابع العام للكتاب هو أدب الرواية، والمبرد هو أحد العلماء الجهابذة في علوم البلاغة والنحو والنقد، عاش في العصر العباسي في القرن الثالث الهجري «التاسع الميلادي»، وهو مولود بالبصرة، وقِيل لُقِّبَ بالمبرد لحسن وجهه، وقيل لدقته وحسن جوابه، ونسبه بعضهم إلى البردة تهكماً وذلك غيرة وحسداً، وعلى الرغم من غزارة علمه واتساع معارفه، فإنه لم يصلنا من آثاره ومؤلفاته إلا عدد قليل منها، ومنها الكامل في اللغة والأدب، الفاضل، المقتضب، شرح لامية العرب، ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، المذكر والمؤنث.

يقول ابن خلدون في مقدمته «سمعنا عن شيوخنا في مجالس التعليم، أن أصول هذا الفن «الأدب» وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الأمالي لأبي علي القالي البغدادي، وكتاب الكامل للمبرد، والكامل في اللغة والأدب من أمهات كتب الأدب العربي»، وتميز كاتبه بحسن المحاضرة والفصاحة والبلاغة والحفظ لمليح الأخبار، والثقة بما يرويه وفي هذه قال ابن كثير: «كان ثقة ثبتاً فيما ينقله».

حرص المبرد على أن يقدم إلى القارئ كتابه مشروحاً مفسراً، فضلاً عن تزويد القارئ ببعض ما يعرض فيه من مسائل النحو والإعراب، فالكتاب على هذا النحو كتاب أدبي لغوي شامل، لا يستغني عنه الناشئة المبتدئون فضلاً عن العلماء المتخصصين.

وقد فتح كتاب «الكامل» الطريق أمام العديد من المؤلفات التي طابقته من بعض الوجوه، وخالفته من وجوه أخرى، فمن هذه المؤلفات كتاب الأمالي لأبي علي القالي الذي يطابق الكامل في اعتماده على النصوص الأدبية نثراً وشعراً، مع العناية بالشرح، وإثارة بعض القضايا اللغوية، ومن الكتب التي تأثرت به، وإن لم تطابقه لغة ونحواً، كتاب العقد الفريد لابن عبدربه.

* المرجع: البيان العربي - دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب ومناهجها ومصادرها الكبرى - تأليف الدكتور بدوي طبانة طبعة منقحة 1972م.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا