• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

«سيبني نحلم».. حين ينهدر الأمل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 14 يناير 2014

عصام أبو القاسم (الشارقة)- عبر المشاهد المتعددة للمسرحية التونسية الموسومة «سيبني نحلم» التي عرضت على هامش الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي، نتعرف على وقائع وردية ليلية لعاملي نظافة في مقتبل العمر، نراهما ينشطان في تنظيف الشارع وفي تبادل الحكايات والصور والأغنيات على نحو مرح وضاحك في مستواه السطحي، ولكنه حزين وشديد القتامة في مستواه العميق.

يبرز العرض، وهو من إخراج انتصار عيساوي وكتابة بسام الحمراوي، وقد جاء في قالب أسلوبي يمزج بين الضحك والهجاء، تلك الأحلام الصغيرة التي لا ينتبه لها الناس عادة والتي تمنح مثل هذين العاملين إرادة الحياة والعيش رغم فقرهما المدقع وبؤسهما الشديد.

نراهما وقد ابتهجا عندما عثرا على حقيبة ملأى بالآلات الموسيقية ملقاة وسط كومة القمامة وراح أحدهما يجرب قدرته في العزف على آلة الفلوت ثم الساكسفون، فيما أخذ الآخر دور المايسترو، متخيلاً أمامه نوتة موسيقية ومحاكياً بحركة يديه الإشارات التي يوجه عبرها المايسترو فرقته الموسيقية

بدت تلك اللوحة شديدة الحيوية بفضل الحركة المعبرة التي تميز بها أداء الممثلين، خاصة الممثل الذي قام العرض بأكمله على قدرته العالية في تلوين وتخشين وتحديد صوته الطيّع والمديد ومتعدد الطبقات، فلقد سمعنا صوته مرة يحاكي الحيوانات ومرة الأطفال ومرات الآلات الموسيقية المتخيلة وصدى الضربات والخبطات.. وغير ذلك مما احتاجه العرض في الجزء المسموع منه.

إذاً، صاغت العيساوي عرضها عبر منظور تشكيلي بسيط ولكنه معبر، إذ جعلت الخشبة شبه خالية إلا من علبة قمامة، وهي متحركة، بمعنى أن العرض استخدمها مرة في صفتها الوظيفية المباشرة، كما توسط بها أحيانا لتوليد دلالات تخدم فكرته الكلية المحيلة إلى عالم هذين العاملين وما يسمه من بؤس وانعدام لأبسط الاحتياجات.

في الخلفية، ينهض جدار مزحوم بخطوط غرافيتية تشير إلى زمننا الاجتماعي والثقافي الراهن، ويتحرك الممثلان دائما أمام هذا الجدار في خطوط متوازية ومتقاطعة، وبخطوات مقتصدة وسريعة؛ وهذه الحركة هي الرهان الأساس للعمل فهو يقوم أساسا على الإيماء والإشارة، ويقطع مع الكلام العادي الذي نعرفه أو يقدمه مجرداً في مقاطع صوتية غير مكتملة وشبيهة بالحشرجة والخشخشة وسواهما من حركات صوتية ناقصة يصعب على السامع أن يتمثلها أو يفهمها. ويمكن أن نقرأ في ذلك إشارة إلى عزلة هذين العاملين وعدم تواصلهما مع العالم أو انقطاعهما أو عجزهما!

ويتناغم هذا الخيار الذي راعته المخرجة في تقديمها لعالم هذين العاملين مع الإطار الدلالي الكلي للعرض الذي أراد إظهار البؤس الشديد الذي كان على هذين العاملين أن يعيشاه، طيلة الوقت ليس على مستوى احتياجاتهما المعيشية المتعلقة بالأكل والشرب واللبس فحسب، بل حتى على مستوى طاقتهما الفيزيائية؛ إذ إنهما يعانيان نقصاً في الكلام أيضاً!

لم يعتمد العرض الذي قدم في قاعة عبدالله المناعي بالشارقة، خطاً حكائياً راسياً متسلسلاً في عكسه لحياة العاملين، لأن كل شيء لديهما محكوم بالنقصان والقطع، وقدمها عبر جملة من اللوحات الأدائية المتنوعة غير المتصلة ولكن يمكن لنا أن نشعر عبرها بقسوة حياة هذه الشريحة من الناس، وهي قسوة يعجز المرء معها عن تحقيق أي شيء حتى لو كان مثقال حلم في اليقظة أو النوم!

المسرحية من بطولة فيصل الحضيري وبسام حمراوي، وقد تخرجا حديثا في المعهد العالي للفنون المسرحية في تونس وخلال عملهما في العرض أظهرا انسجاما عاليا في تبادل الأدوار، وفي بناء مشاهده البسيطة والقصيرة والسريعة والمعبرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا