• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

فَتَح الشرايين على بعضها.. ورَحل

ادواردو غاليانو.. صائد الحكايات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 أبريل 2015

د. محسن الرملي

إذا كان خوان رولفو وغابريل غارثيا ماركيز وكارلوس فوينتس وفارغاس يوسا قد أثروا في الفن الروائي بأميركا اللاتينية، فإن غاليانو قد أثر في فن الكتابة الأدبية بمجمله، فهو لم يلتزم بقواعد جنس كتابي بعينه، وإنما كسر الحدود بينها ووظف ما يشاء منها لمصلحة نصه الخاص، والذي يمزج فيه بين السرد والفكر والموقف السياسي والتاريخ واللعب والسخرية والمأساة.. لقد فتح شرايين الأجناس الأدبية على بعضها وفتح شرايين الكتابة لتستوعب كل شيء، مختلف الأزمنة والأمكنة والقضايا.

ومثلما فتح غاليانو في كتابته شرايين الأجناس الأدبية على بعضها وعلى مختلف المواضيع، قام في حياته بفتح الحدود بين المهن والاختصاصات والاهتمامات، كما نرى ذلك من خلال سيرته واهتماماته، فعلى الرغم من أنه ولد في عائلة ارستقراطية غنية وكاثوليكية متدينة نجد بأنه كأن في طليعة اليسار طول حياته، بل وتحمل السجن والمنفى بسبب يساريته هذه، ومن حيث الاهتمامات فعدا شغفه المعروف بكرة القدم فهو بالأصل رسام كاريكاتير ثم انتقل من الرسم إلى الكتابة الصحفية ومن بعدها إلى الأدبية ومن بين المهن الأخرى التي زاولها في شبابه: ساعي بريد، عامل في مصنع، رسام، طباع، محاسب في بنك.. وغيرها.

على الرغم من شهرة غاليانو في أميركا اللاتينية منذ سبعينيات القرن الماضي إلا أن الحدث الذي أوصله لذروة شهرته العالمية هو إهداء رئيس فنزويلا الراحل هوغو تشافيز إلى الرئيس الأميركي باراك اوباما سنة 2009 نسخة من كتاب غاليانو «الشرايين الفتوحة لاميركا اللاتينية»، والذي يتحدث فيه عن تاريخ نهب الولايات المتحدة لثروات أميركا اللاتينية على مدى خمسة قرون. وقد ترجم هذا الكتاب والعديد من أعماله إلى أهم لغات العالم ومنها العربية، حيث ترجم أسامة إسبر ثلاثيته (ذاكرة النار) بأجزائها: (سفر التكوين)، (الوجوه والأقنعة)، (قرن الريح)، (كتاب المعانقات)، (أطفال الزمن) و(كلمات متجولة)، وترجم صالح علماني كتبه (أفواه الزمن)، (كرة القدم بين الشمس والظل)، (مرايا: ما يشبه تاريخا للعالم) و(أبناء الأيام)، واشترك أحمد حسان مع بشير السباعي في ترجمة كتابه الأشهر (الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية).

حياته

ولد إدواردو خيرمان ماريا هوغيس غاليانو في الثالث من سبتمبر 1940 في مونتيفيديو، أوروغواي، في عائلة كاثوليكية من الطبقة الغنية لها أصول إيطالية، إسبانية، إنكليزية وألمانية واتخذ من لقب أمه الإيطالي (غاليانو) اسماً للشهرة. عمل في شبابه في مختلف المهن، وفي الرابعة عشرة من عمره باع أول رسم كاريكاتيري سياسي من أعماله إلى صحيفة (السول/ الشمس) الأسبوعية التي يصدرها الحزب الاشتراكي. وفي سنة 1960 بدأ مسيرته الصحفية وأشرف على إدارة صحيفة (لامارتشا/ المسيرة) الأسبوعية التي كانت مؤثرة في أوساط المثقفين وكتب فيها معه كبار الكتاب أمثال فارغاس يوسا وماريو بينيدتي ومانويل مالدونادو والأخوين دنيس وغيرهم. ثم أدار بعدها لمدة عامين صحيفة (إيبوكا/ مرحلة) اليسارية. وفي أواخر الستينيات تمكن من إجراء مقابلة مهمة في أعماق أحراش غابات غواتيمالا مع زعيم المتمردين المعروف ثيسار مونتيس. وأثناء حصوله على منحة دراسية في باريس سمع بأن الرئيس الأرجنتيني المنفي هناك خوان دومينغو بيرون قد قال:» إذا كان هذا الفتى لايزال هنا، فيعجبني أن أراه». لم يصدق غاليانو ما قيل له، وعندما اتصل برقم الهاتف الذي أعطي له، تأكد من حقيقة الأمر وتم استقباله باحتفاء وأنجز معه مقابلة صحفية طويلة وتاريخية، وحين سأل غاليانو الرئيس المنفي عن سبب عدم ظهوره إلا نادراً أجاب:»هيبة الرب تكمن في أن لا يُرى إلا قليلاً جداً».

وإثر الانقلاب العسكري في بلده عام 1973 تم إيداع غاليانو في السجن ثم حكم عليه بالنفي ومنع كتابه (شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة) في العديد من بلدان القارة. غادر إلى الأرجنتين وهناك أسس مجلة (كريسيس/ أزمة) الثقافية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف