• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

غونتر غراس: العقل يطالب بحبات إنعاش

الأدب يخلق الأساطير.. ويدمّرها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 أبريل 2015

حسونة المصباحي

نعرف الحضور الكبير للأسطورة في أعمال الراحل غونتر غراس الروائيّة. ففي رواية «طبل الصفيح» التي أتاحت له شهرة عالمية واسعة في الستينيات من القرن الماضي، والتي حولها المخرج فولكر شلوندورف إلى فيلم بديع، نحن نجد أنفسنا أمام قزم يذكرنا بالشخصيات المشوهة في أساطير أوروبا الشمالية. وتحضر الأسطورة أيضاً في رواية «سمك التّرس» الصادرة عام 1977، وفي رواية «الفأرة» الصادرة عام 1988. أما في رواية «سنوات الكلب»، فإن غونتر غراس يستعين بالإنجيل ليعالج التاريخ الألماني.

في نص حمل عنوان «الأدب والأسطورة»، يقدم غونتر غراس رؤيته للأسطورة، ولتأثيراتها في مجمل أعماله الروائية، حيث كتب يقولك:

إن موضوع «الأدب والأسطورة» يغرقني في شيء من الحيرة والارتباك ذلك أنه يتضمن التأكيدات، والعقيدة المفهوميّة للباحث في العلوم الأدبية. أما أنا فلا تأكيدات لي ولا يقين، أما بالنسبة للمفاهيم المتداولة، فإن أفضل استعمال لها هو دفنها.

ريبة وشك

ثم إن التجارب في مجال الحقل الدلالي للأسطورة، وللأساطير، وللأسطوري، جعلتني مرتاباً ومتشككاً. بالإضافة إلى هذا كله، نحن نتحمل دائماً في ألمانيا، نتائج سياسيىة معيّنة أرادت أن تصنع أسطورة غير أنها أفضت إلى «الهولوكوست».

إن مثل هذه التجارب اللاعقلانية ولافرازاتها، التي لا تزال تؤلمنا إلى يوم الناس هذا، أشاعتا فينا العقيدة في العقل، وهي عقيدة تتجاوز ما هو محتمل. ولكلّ معجزة نحن نقوم بجرد التكاليف. وللإشارة إلى الفوضى، جاءتنا فكرة التجزئة. في كل غبش، يلمع ضوء القنديل الزيتي للتحقيق الإحصائي. ونحن نستعمل العقل كمضاد للسم. ونحن نتشممه، ونستنشقه. ولبعضنا البعض، نضخّ حقّنا في العقل. بعد ذلك، نحن نعتقد أننا أصبحنا محصنين ضد الإغواءات الجديدة التي نقذف بها أيضاً في أعماق مفهوم كيس المهملات غير محدد الجوانب، اللاعقلانية، وكلمات مثل الأسطورة، والأساطير والأسطوري. وها نحن نعاني اليوم النتائج. فتحت غطاء اللغة التي تعقلن، خلق مفهوم العقل الذي يزداد ضموراً يوماً بعد آخر مبعدا كل ما يمكن أن يهدده، لاعقلانية تشهد تصاعداً مع تصاعد أسطورة التقدم. ومنذئذ أصبحنا نستعمل مختلف الأساطير التي كبرت شتلاتها في براثن هذه الايديولوجيا أو تلك لتغذية اللاعقلانية التي شبعت من العقل حتى أن نجاحها (مع الأساطير المتعاقبة والناجعة) أصبح يهمّ في نفس الوقت المجتمعات التي تزعم أنها بلا طبقات، والمجتمعات التي تعتقد أنها متعددة، وحيث الأساطير تستعمل كمفهوم أعلى. والعقل نفسه لا يريد أن يقرّ بذنبه. ومنذ أن جعلت منه الثورة الفرنسية البداية والنهاية للأنوار الأوروبية، ومنذ أن أقيمت له المعابد الصغيرة والكبيرة خلال الثورة، وبات أسطورة تماماً مثلما هو الحال بالنسبة للتقدم، تسامي العقل، واليوم هو يمارس الاستبطان الحزين. وبما أنه لا يحتمل مثل هذه الحالة، فإنه يطالب بحبات إنعاش. المفارقات دمرت. والذي كنّا نعتقد أنه فصل بطريقة نظيفة، وبات جيدا على المستوى الأيديولوجي (من ناحية العقل الذي يفسّر ويضيء، وبالتالي يعجل بالتقدم، ومن ناحية أخرى اللاعقل المتهم مفهوميا بأنه لاعقلانية). وكل هذا أصبح مختلطا بشكل مأساوي. ونحن نهتز، ونطلق الوسائط الروحيّة. وبما أننا أصبحنا عاجزين عن القيام بأيّ فعل، فإننا سلمنا انفسنا إلى عّرافي العصور الحديثة، أعني بذلك أجهزة الكمبيوتر. ولم يعد يعبّرعن الحقيقة على الأقل إلّا من خلال الحكايات والأساطير في حين أن الضغوطات الموضوعية لعصرنا ممتزجة ببعضها البعض بطريقة لاعقلانية للغاية، تحرمنا من كلّ اكتشاف معاش.ان الرؤيا مبرمجة بالنسبة إلينا بدقة تقنية عالية، أي من دون التباس أو ألغاز أو إبهام (...). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف