• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

كيف لمن عرف حباً كبيراً وعاش عند نبع الجمال أن يكره الآخر!

علَى عَتبة فْرانشيسْكُو بّيتْرارْكا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 أبريل 2015

محمد بنيــس

(1)

استأثر الجنوبُ الفرنسيّ بشغف شاعريْن غربييْن كبيريْن، هما الإيطالي فرنشيسكو بتراركا (1304ـ 1374) والأميركي إزرا باوند (1885ـ1972). لكل واحد منهما شغفُه الخاص بالمكان. كان أبو بيتراركا ذا علاقة بدانتي، فأرغمه خصومه السياسيون على مغادرة فلورنسا. رحل الأب مع العائلة إلى أفنيون التي وصل إليها سنة 1312، وهي آنذاك عاصمة البابوية. في أفنيون إذن، عاش بيتراركا، منذ صباه، منفياً مع عائلته. وفي مونبيليي تابع دراسته الجامعية، ثم سافر لاحقاً إلى بولونيا لدراسة القانون. عاد بعدها إلى أفنيون والتحق بالعمل سنة 1326 بالكنيسة. ثم راح في جولات، وعندما رجع إليها مرة أخرى سنة 1330 واطلع على أحوالها، ساءت علاقته بالمدينة التي وجدها تحولت إلى «جحيم الأحياء» أو «بؤرة الموبقات»، فغضبَ على رجال الكنيسة. غادر أفنيون إلى منطقة قريبة، واختار الإقامة في بيت عند منبع الفوكليز. أما إزرا باوند، الذي كان مأخوذاً بشعر العصور الوسطى في لغة الأوكْسيتان، فقد قام، وهو لا يزال شاباً، بجولة سياحية سنة 1912 في الجنوب الفرنسي. قطع الطرق سيراً على القدمين، بحثاً عن شعراء التروبادور، الذين كان لهم تأثير على شعره.

لا شك أن من يعرف التطورات التي مر بها الشعر الغربي يدرك قيمة هذين الشاعريْن، وغالباً ما سعى إلى التعرف على شعرهما، ولو بطريقة غير متكافئة. العناية بإزرا باوند هي، من دون شك، أكثر إلحاحاً على الشاعر الحديث. كذلك كنت في شبابي متحمساً لقراءة «أغاني» أزرا باوند، لطبيعة الثورة الشعرية التي أحدثها من خلال ما عرف لديه بالمدرسة الصورية، أو للأثر الذي كان له في الصياغة النهائية لقصيدة ت.س. إليوت، «الأرض الخراب». ومع تقدُّم السنوات أصبحتُ مهتماً بفرنشيسكو بيتراركا.

(2)

هي مفاجأة، ربما، أن يتوجه اهتمامُ شاعر عربي حديث إلى الشاعر بيتراركا. ولي هنا أن أوضح بأن قراءتي لدانتي، من خلال «الكوميديا الإلهية» كانت الأسبق. ولا يحتاج ذلك إلى تفسير أو تبرير، بحكم استثنائية عمل دانتي، ومكانته في بناء النموذج الشعري الغربي الحديث. أما بيتراركا فشأني معه مختلف جداً. مصدر اهتمامي هو ما أصبحت أكتشفه عن مواقفه الفكرية. في مقدمتها، موقفه المنطلق من رؤية مسيحية في نقد النزعة الأرسطية باعتبارها «هرطقة». ويرى أن سبب انتشار الهرطقة في العالم المسيحي، كما يعلق ألنْ دو ليبيرا، هو توفر أعمال ابن رشد في اللغة اللاتينية وتداولها من طرف الشبان، الذين كانوا يتّهمون بيترارْكا بالجهل. هذه هي نقطة ارتكاز بيتراركا في نقد الأرسطية وانتصاره للدين على حساب العقل. وقد أدى به ذلك إلى الوقوف ضد دانتي ورفض الرشدية ومحاربة الثقافة العربية ـ الإسلامية. تكامل موقفه هذا مع تشبثه بإعادة اكتشاف الثقافة الكلاسيكية في اليونانية واللاتينية، والاشتغال على التوفيق بينها وبين الثقافة المسيحية، بهدف يختلف عن هدف ابن رشد، إذ كان التوفيق بين الدين والعقل يعني لديه ترجيح الدين على العقل. ونتيجة لذلك، اعتبر فترة الثقافة العربية ـ الإسلامية فترة تتوسط بين الثقافة القديمة وبين العودة إليها. من هنا جاءت تسمية العصور الوسطى، أو العصور المظلمة، حسب التعبير الإنجليزي.

ولأن بيتراركا كان في خدمة الكنيسة ويتمتّع كشاعر بسمعة عالية في الأوساط الأوروبية، فإن مواقفه المعادية للثقافة العربية ـ الإسلامية أضحت ذات صدى واسع في المحيط الأوروبي. مواقف صاغت المبادئ التي صدرت عنها كل من الحركة الإنسية، وحركة النهضة الأوروبية. إذ ليست هذه النهضة سوى العودة إلى الأصول اليونانية واللاتينية، مع الاستغناء عن الثقافة العربية ـ الإسلامية. مواقف أصولية، سلفية، مغلقة على ذاتها. تعاملت بصرامة وشدة مع كل من يكتب أو يجهر باسم الثقافة العربية ـ الإسلامية. من هنا جاء تعلقي بقراءة أعماله المتوافرة بالفرنسية، وخاصة «الأغاني»، «جهلي وجهل آخرين كثيرين»، و«سري»، و«الصعود إلى جبل فانـتو». تابعت الأخبار عن نشر أعماله، وشيئاً فشيئاً أصبحت أرغب في زيارة مكان إقامته في منبع الفوكليز. تلك طريقتي. تغريني الأسماء الكبرى، في الأدب والفن والفلسفة والتصوف، بالبحث عن أمكنة إقامتها. وعلمتني الزيارات أن أمكنة الإقامة تحتفظ ببعض الأسرار التي لا تكشف عنها الكتب بسهولة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف