• الأربعاء 06 شوال 1439هـ - 20 يونيو 2018م

ابتعد عن الحيل ومهارات الإبهار

محمد حسنين.. عاشق التراث

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 22 مايو 2018

مجدي عثمان (القاهرة)

نقل لنا الفنان التشكيلي محمد حسنين علي، حالات رافقت مسيرته الفنية والحياتية في آن، فلم يترك لنا شيئاً نسأل عنه، وجهاً أو مكاناً أو حدثاً قومياً، إلا أسقطه على أوراقه وقماشاته ليؤرخ حالة شعب، وما كان يرضى إلا أن يُخرج ما بداخله كاملاً موزوناً ودون نقصان، ثم يُعيد الكرة بعد المرة، مستخدماً التراث بنهم العاشق، غير ناقل، متأملاً ومستوعباً درس الأجداد.

حسنين من الفنانين المتميزين بوفرة الإنتاج واستمراريته، دائم البحث منذ وقت طويل في التراث المصري القديم والعربي بأشكاله وعناصره وقوانينه، ينتمي إلى مجموعة من الفنانين المُجربين والمتجهين بكل طاقاتهم ناحية التراث، منقبين فيه، محاولين التوصل إلى شخصية غنية تحمل ملامح البيئة والتراث معاً.

الأبعاد والحيل

استخدم حسنين الكتابات العربية بأسلوب تسطيحي دون اللجوء إلى الأبعاد والحيل، والمهارات التي تُبهر الرائي، وخاض تجربته الجديدة معتقداً في العناصر التي جمعت بين الأشكال الهندسية والكتابات العربية في نظام جديد، مع التأكيد على المحاور والاتجاهات الخطية والتكرار، والتحوير في شكل الكتابات، متخذاً من النظام البنائي التشكيلي إحساساً في التكوينات جميعها، مع استعارات للتركيب الإنشائي للأشغال الخشبية العربية ‪»‬المفروكة، المشربية‪ ،«‬وهنا يسعى الفنان إلى جانب هذا إلى التركيز على أن يشمل تكويناته أسماء لبعض أقطاب المسلمين، فيعيد داخل هذا النظام تركيباته البنائية، وتعتمد هذه التجربة في مجالياتها على نوعية الكتابات التي ابتدعها وخطوطها الهندسية، ثم النظام الهندسي الصارم والحوار الناجح بين اللونين الأبيض والأسود.

أطلق عليه الناقد الجمالي الفرنسي جاك بيرك، «فنان الجمالية»، قائلاً: بالتجوال في هذا الحي القديم للقاهرة الفاطمية الذي به ضريح الإمام الذي يقودنا إلى بداية أزقة سور القاهرة، حيث باب الفتوح وباب النصر، علامات كثيرة أساسية تحيط بنا‪ ،‬محاريب للتجمع، وردهات للتجارة، معمار المدارس ذو زخرف جصي متميز، وأسبلة لتروي ظمأ السابلة، لكن كل ذلك عبارة عن ملحمة من المنظور المقنع، حيث إن العدول الذي لا يمكن أن نلمسه للشكل بمقدار التغيرات التي لا يمكن أن ندركها لقدم هذا العصر، أما اليوم، فإن الحداثة التي اجتاحت القصور فتحت مدارس ومكاتب، لتشييد المباني البيضاء الملساء ذات طوابق تبرز من خلال الماضي القديم، كل ذلك خلط بين العصور، حيث أتيح مزج أثار نفس الكائن الجماعي الذي يتحرك دائماً بإخلاص في مكان ميراثه.

الهوية

ويؤكد الناقد عز الدين نجيب، فلسفة حسنين بقوله: لم يهتم حسنين بتسجيل الملامح الخارجية لهذه البيئة، بل كان تركيزه على الروح العميقة التي تسكنها، وتضفي عليها هوية الجماعة المصرية، بما تمثله من تلاحم وأصالة، وما تعكسه من عبق التاريخ والحضارة، حيث نرى في لوحاته وجوهاً ساكنة تذكرنا برسوم مخطوطات الكتب والأطباق الفخارية في عصور الفاطميين والمماليك، مختلطة بوحدات زخارف الشرفات الأرابسكية، وتصطف المشخصات منتصبة في حالة سكون كالعرائس الخشبية، وقد رسمت بحس فطري وشعبي يحطم النسب التشريحية المعتادة، ما يذكرنا بالعرائس الحجرية المتلاصقة أعلى جدران المساجد في القاهرة التاريخية.

وقال عنه مُكتشف مراكب الشمس الفرعونية كمال الملاخ: أن تتوه في عبق مجرد الزمان وساحة المكان الشرقي، فأنت في عالم «حسنين» المسحور الملون بعبق التاريخ، عيون واسعة تتسع كلما تأملتها، هي تراك وأنت تشاهدها، كعيون بيزنطية تطل عليك من سالف الأوان، أنوف مسحوبة كالخط الرفيع الذي يحدد سيمترية الوجه ورؤوساً أكبر من أجسادها أو تكاد أن تكون كذلك.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا