• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

التعبير الأدبي عنه أقلُّ فداحة مهما يتحقق له من الإبداع

الحصار.. غير قابل للسرد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يناير 2016

نبيل سليمان

يبرز الحصار كواحد مما يتعنْوَن به كل صراع مسلح (حرب- ثورة- انتفاضة- احتلال- غزو...). ولذلك يكثر ويتنوع – وبالطبع يتفاوت- التعبيرُ السردي والشعري عن الحصار، أو حضور الحصار في السرد والشعر. من السرد، تلك هي رواية فوزية رشيد (الحصار)، ورواية الألباني إسماعيل كاداريه (الحصار). أما إذا انتقلنا من العنوان إلى النص فسنجد أن فوزية رشيد تروي ما كان من الحصار أثناء الاحتلال البريطاني للبحرين، قبل اكتشاف النفط. وإلى الماضي الأبعد يعود إسماعيل كاداريه، فيروي حصار الجيش العثماني لإحدى القلاع الألبانية، وعجزه عن اقتحامها في القرن الخامس عشر، والقلعة من أخيولات الكاتب التي توسلت التاريخ، وهو (المهووس) بتاريخ بلاده. وبعنوان يغيب عنه الحصار، تذهب الإشارة إلى رواية (حبيبتي كريت) للكاتب التركي سابا آلتن صاي الذي يروي أيضاً من التاريخ العثماني/‏ التركي ذيول الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وتهجير المسلمين من جزيرة كريت بالمبادلة مع المسيحيين اليونانيين في تركيا سنة 1923، وحيث عانى المسلمون الكريتيون من الحصار، فعاشوا حيناً مختبئين، يترددون حتى في تسجيل موتاهم ومواليدهم الجدد في سجلات النفوس...

من الأمس القريب فالأقرب إلى الحاضر، يحضر الحصار في رواية سحر خليفة (باب الساحة) التي تصور الانتفاضة الفلسطينية في نابلس، حيث يضطر الجنود الإسرائيليون في نهاية الرواية إلى إغلاق بوابة الحارة بالإسمنت، ليطبق الحصار على المنتفضين الذين تبدع النساء منهم في فرط الإسمنت الطري بالماء تحت جنح الليل، ليطلع الصباح على انهيار الجدار الإسرائيلي، فيأتي الرد مسعوراً، ويسدّ الجنود البوابة بالجلاميد، ويفرضون حظر التجول. وفي الحصار، يصطاد الجنود الإسرائيليون الشباب واحداً واحداً، لكن الشباب يرفعون العلم الفلسطيني على البوابة، بينما تتوالى في الحارة المحاصرة التغيرات التي تغدو معها النفوس أكبر نقاءً والعزائم أكبر مضياً.

لقد حظيت السردية الفلسطينية للحصار بنصيب وافر من العرض والنقد، وكذلك هي السردية اللبنانية المتعلقة بالحرب 1975- 1990، ولذلك سيكون الوكد هنا في مظانّ أخرى سواء عن هذه الحرب، أم عما زلزل سوريا عام 1982، وبخاصة: عما زلزلها منذ خمس سنوات، عرفت فيها من الحصار ألواناً وألواناً.

مديح الكراهية

ترسم روايةُ خالد خليفة (مديح الكراهية) الحصار إذْ يشتبك بالصراع المسلح. وتعود هذه الرواية إلى ما عاشته مدينة حلب أثناء الصراع المسلح بين الإخوان المسلمين والسلطة. ففي أعياد ميلاد عام 1981، قرع مسيحيو حلب أجراس كنائسهم باستحياء، وصلّوا بصمت، إذ كانت حلب قد غدت مدينة المآتم، وفُرض منع التجول، وحوصرت المدينة، فمنع الدخول إليها والخروج منها خمسة عشر يوماً كانت كافية لتفتيش بيوتها، ونقرأ: «استباح أسرارها أربعون ألف جندي من سرايا الموت والقوات الخاصة، بالإضافة إلى الفرقة العسكرية الكاملة التي تحاصرها من كل الأطراف»، وبالنسبة للراوية فقد كان الحصار، كما تروي، فرصتها لتأمّل ما حولها، وقد أصبحت كسولة تغرق في النوم حتى الظهيرة، على الرغم من أن الجنود فتشوا المنزل ثلاث مرات. وتصف الراوية التفتيش حتى درجة التعود على الجنود، الأسرة، ويجسون بأياديهم صوف الفرش، ويفتحون الخزائن، ويقلبون الثياب والصور، وينزلون إلى قبو المؤونة، ثم يخرجون ليعود أهل البيت إلى عزلتهم: نساء حزينات ووحيدات، فقدن أمانهن، بينما انتظار كوارث أكبر يثقل الأرواح، ويشدهن إلى تلمس أجسادهن المعطوبة حتى أصبحت قديداً يابساً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف