• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

من الديمقراطيا إلى التكنوقراطيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 أغسطس 2016

د. محمد سبيلا

لا أتحدث هنا عن الديمقراطية بمعنى نظام الحكم القائم على الشرعية الزمنية والتمثيلية، بل عن الديمقراطيا بمعنى نظام حكم البشر (الديموس اليوناني أو الشعب). فمفهوم الحكم هنا أعم وأشمل، بحيث يشتمل على إرادة التحكم.

ولذلك إذا كانت الديمقراطية تعني نظام الحكم السياسي للبشر بوساطة البشر، فإن الديمقراطيا تعني نظام التحكم في البشر وتسييرهم من خلال البشر أو النخبة السياسية، وهو ما يجعله في تقابل وتماثل مع مفهوم التكنوقراطيا، أي نظام الحكم القائم على تحكم الأشياء (التقنية) في البشر.

ويبدو أن الأفق المنتظر للبشرية في القرون المقبلة هو الانتقال من حكم أو تحكم الناس في الناس أو البشر في البشر إلى نظام حكم الأشياء (التقنية) في البشر، أي من الديمقراطيا إلى التكنوقراطيا، أو بالتعبير اليوناني من الديموس إلى التكنوس.

كان المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه قد ميز في تاريخ التعبير والتواصل البشري بين ثلاثة مراحل أو فضاءات: اللوغوسفير أو فضاء الحديث الشفوي، ثم الكرافوسفير أو فضاء الكتابة المرتبط باختراع المطبعة (غوتنبرغ)، وأخيراً الفيديوسفير أو فضاء الصورة الإليكترونية المتحركة.

أما مؤرخو الصناعة فيميزون بين عدة مراحل يسمونها ثورات: الثورة الصناعية الأولى وقوامها الفحم، والثورة الصناعية الثانية نحو سنة 1900 وعمودها الفقري الكهرباء، الذي أصبح أب كل الثورات التقنية الحديثة، وقد تلاها اكتشاف وصناعة الطيران ثم الذرة ثم غزو الفضاء، وأخيراً الثورة المعلوماتية والإعلامية نحو سنة 1970، والتي شكلت أساس العولمة الكونية بفعل النقل والتواصل والإعلام والمعلوماتية.

والحق أن كل تطور تكنولوجي (الفحم- الكهرباء- الإليكترون) يشكل ثورة تستدمج وتجبُّ ما قبلها، وهذا هو الشأن بالنسبة للثورة الإليكترونية، وخاصة اختراع الشبكة العنكبوتية الكونية التي تدخل اليوم في المرحلة الثانية من عمرها، والتي يطلق عليها اليوم «إنترنيت الأشياء» (Internet things). فالإنتاج الصناعي والتقني لم يعد مستقلاً عن العوامل الإنتاجية الأخرى المتمثلة في المال، سواء كان مصدره الدولة أي القطاع العام، أو القطاع المالي والاقتصادي الخاص، بحيث يصبح تزاوج الصناعة والمال عضوياً، وتصبح استراتيجيته الأساسية هي التمدد والتوسع محلياً ودولياً. فالعولمة في العمق هي ذلك التزاوج الرفيع بين الجهاز المالي العالمي والجهاز التقني العالمي (القشتال)، مزيناً بتوابل القانون الدولي والشرعية الدولية، كل ذلك في إطار خطة تحويل الأشياء الكمالية إلى أشياء ضرورية بشكل لا حدود له بما يسهل «طوفان الأشياء». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف