• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

من الذي قتله بهذه الوحشية؟

بازوليني.. موته ما يزال لغزاً!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 أغسطس 2016

حسونة المصباحي

في الليلة الفاصلة بين اليوم الأول واليوم الثاني من شهر نوفمبر 1975، عثر على الشاطئ قرب روما على جثّة الشاعر والكاتب والناقد والسينمائي الشهير بيار باولو بازوليني مشوهة، وممثلاً بها تمثيلًا بشعاً. وفي التقرير الطبي ورد ما يلي: «كان بازوليني ممدّداً على بطنه، مرتدياً بنطلون جينز. إحدى ذراعيه كانت ممدودة، أما الأخرى، فقد كانت تحت صدره، شعره الملطخ بالدم منسدل على جبينه، خدّاه الغائران عادة كانا متورمين بشكل فظيع، الوجه المشوه كان أسود بسبب الجراح والكدمات،رضوض وجراح على الذراعين. أصابع اليد اليسرى مقطوعة ومهشّمة، الفكّ الأيسر محطّم تماماً. الأذن اليمنى نصف مقطوعة، أما اليسرى، فقد تمّ اقتلاعها بالكامل. على الجسد آثار عجلات سيّارة، بين الرقبة والعنق كان اللحم ممزقاً تمزيقاً سريعاً. ستّة أضلاع مكسورة. والجؤجؤ أيضاً. الكبد والقلب مصابان».

إثر العثور على جثّة بازوليني ثمّ إلقاء القبض على مراهق من ضواحي روما الفقيرة يدعى جيوسيبو بيلوسي يبلغ من العمر 17 عاماً. وأمام المحقّقين زعم هذا المراهق الشّاذّ، والمعروف بسوء السلوك، وبسوء الطبّع أنه لم يفعل شيئاً آخر غير الدفاع عن نفسه أمام (ثور هائج) بحسب تعبيره. ورغم أن أقواله كانت تتعارض مع ما جاء في التقرير الطبّي الذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشكّ أن هناك آخرين شاركوا في ارتكاب تلك الجريمة الشنيعة، فإنّ السلطات القضائيّة الإيطاليّة رفضت مواصلة التحقيق، ثم لم تلبث أن أسدلت الستار على القضيّة مكتفية بإصدار حكم بتسع سنوات سجن على المراهق بيلوسي. واحتجاجاً على ذلك قرّر أبرز المثقفين الإيطاليين، يتقدّمهم الكاتب الكبير ألبرتو مورافيا، تكوين لجنة خاصّة لمواصلة التحقيق في حيثيّات الجريمة، غير أن عمل هذه اللجنة لم يفض إلى أيّة نتيجة إيجابيّة. وإلى حدّ هذه الساعة ظلّ اغتيال بيار باولو بازوليني بتلك الطريقة الوحشيّة لغزاً محيّراً. مع ذلك لم يعد خافياً على أحد أن المنفذين الفعليين للجريمة هم أعداؤه الألداء داخل اليمين الإيطالي، أولئك الذين كان يقذفهم بحمم غضبه، معرّياً جرائمهم، وفاضحاً أكاذيبهم بجرأة وشجاعة مدهشة.

الولادة والتخفي

ولد بيار باولو بازوليني في مدينة بولونيا عام 1922. وبسبب مهنة والده الذي كان عسكريّاً، أمضى فترة الطفولة والمراهقة متنقلاً بين مناطق عدّة. وخلال الحرب الكونيّة الثانية، وتحديداً عام 1943، اضطرّ إلى التخفّي في منطقة «فريول» التي تنتمي إليها والدته. وهناك كتب مجموعته الشعريّة الأولى التي حملت عنوان (قصائد إلى كازاراسا). وفي السابع من شهر فبراير 1945، أصيب بيار باولو بازوليني بأوّل صدمة عنيفة في حياته، ذلك أن أخاه «جيدو» الذي كان ينتمي إلى حركة الأنصار المعادية للفاشية قتل من قبل شيوعيين يوغسلاف اعتقدوا خطأ أنه متعاون مع العدوّ، غير أن تلك الواقعة الأليمة لم تمنع بازوليني من التقرب من اليسارييّن فيما بعد، مخصصاً ديواناً كاملاً لرثاء المفكر الماركسي الكبير انطونيو غرامشي، الذي ناهض الفاشية، ومات في سجون موسيليني.

قبل انتخابات 12 أبريل 1946، أسرّ فتى مراهق لقسّ كاثوليكي أنه يرتبط بعلاقة شاذة مع بازوليني. وفي الحين شنّت الصحف اليمينيّة والمحافظة هجومات عنيفة على الشاعر اليساري الشاب ناعتة إياه بـ (المتفسّخ)، وبـ (الشيوعي الفاسد والمنحط). وبسبب ذلك أصدرت لجنة الحزب الشيوعي الإيطالي قراراً يقضي بفصله. أما هو فقد فضّل الفرار إلى روما بصحبة والدته. وفي البداية عاش بازوليني في ضواحي روما الفقيرة، وفيها عرف الفقر والخصاصة. وقد ظلّ على هذا الحال إلى أن عثر على مهنة معلم في إحدى المدارس الحرّة. وشيئاً فشيئاً شرع يكتشف الواقع الإيطالي مختلطاً بأوساط المثقفين والفنانين، ومحاولاً في الوقت ذاته التعرّف على أوضاع البروليتاريا الرثّة في الأحياء الفقيرة التي تشكّل حزاماً حول روما. وفيما بعد كتب البرتو مورافيا يقول بإن مجتمع البروليتاريا الرثّة كان بالنسبة لبازوليني «مجتمعا ثوريّاً تماماً مثل المجتمعات المناصرة للمسيحيّة، أي أنها مجتمعات تحمل من دون وعي منها رسالة تواضع زهديّ يتعارض مع المجتمع البورجوازي الميّال إلى المتعة والبذخ». وربّما لهذا السبب نستطيع أن نقول بإن ماركسيّة بازوليني كانت «ماركسيّة بدائيّة» على حدّ تعبير أحد النقاد، فيها تنتصر العواطف على الصرامة الإيديولوجيّة التي كانت تتميّز بها الأحزاب الشيوعيّة الستالينيّة في الفترة اللاحقة للحرب الكونيّة الثانية. وفي جلّ القصائد التي كتبها في هذه الفترة، كان واضحاً أن بازوليني يرغب في أن يكون شاعر البسطاء، والمقهورين، وسكّان أكواخ القصدير والصفيح في ضواحي روما البائسة الخارجة من فترة الحكم الفاشي الذي جرّها إلى حرب مدمّرة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف