• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

رافعة ثقافية للحنين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 أغسطس 2016

د. رفيقة بن رجب

«السِّنْيارُ» ميراث رائع بدأه أهل الخليج منذ القدم، قاسوا فيه ويلات وكوارث خلدوا من خلالها مآثر تاريخية، وأيديولوجية، وفكرية لازالت عالقة في الذاكرة، واستمرت هذه الرحلة دون انقطاع، ولكن بمنظور جديد، واستراتيجية ممنهجة.

السينار، ذالك السلوك الذي أوجد نتاجاً أدبياً عالي المستوى، تضمن أفكاراً تماهت مع سياق النسق الثقافي الذي تمحور في الاشتياق للأهل الذين تركهم الغواص أشهراً قد تطول إلى السنة، وهو ذاهب وكفنه بيده، لأنه ربما لا يعود، فجاء سجلاً معبراً عن مواويل حزينة بين الشوق والأمنيات والحزن حيناً، وبين الخوف والرغبة في الحصول على أمانيهم التي سعوا من أجل تحقيقها حيناً آخر. كل هذا برومانسية تضخَّ منها سيول وشلالات من العواطف الوجدانية المتأرجحة بين الوصول للهدف أو التخلي عنه عبر سلسلة من المواويل التي تعبر عما يجول في الخواطر بتعبير صادق، يجسد تلك العذابات والامنيات، واضعين في اعتبارهم (قدرَّ الله وما شاء فعل).

لأن قمة الإيمان تدفعهم لعمل المستحيل، والرائع في الموضوع ذالك الترابط العجيب بين أهالي من ذهب إلى الغوص، فنجد الجميع يتعاون، ويوفر لذاك المنزل كل الاحتياجات، حتى لو قتَّروا على أهليهم وذويهم...

ومن المفارقات اللّافتة صورة المرأة الابداعية والفنية في رحلة الغوص، لا بمشاركتها في السينار فقط، بل بوجودها المشرّف في لحظة توديع زوجها، رفقة أولادها، بكل شجاعة وعنفوان وفخر وثبات، حيث إنها اليوم زوجة الرجل المغوار الذي يضحي بعائلته وبنفسه في سبيل إثبات الذات والوجود... فهو قدوة لأهله ومن جاورهم، يذهب وهو مبتسم، متسلح بأهازيج الغوص التي تحمل كل معاني الإبداع والفن وثقافة السينار.

إن الفضاء الثقافي لهذا المصطلح بات ملتصقاً بالمجتمع، يساهم في الدعم المؤسساتي على اختلاف تشعباته، وهذا الفضاء هو الذي يؤطر لتداول أيدولوجيات الثقافة والإبداع، ويساهم في التنسيق في المجالات الفكرية والثقافية والأدبية ليقدم أنموذجاً ناجحاً لجميع مثقفي المنطقة والمناطق المجاورة، كي يعبروا عن كل ما يجول في خواطرهم عبر رحلة السينار، وتشكل كل هذه الفنون بفضاءاتها المنعطفات والمبادرات المتنوعة للغوص، أو القوافل البرية للتماهي مع أحوال المجتمع، وتعالج كل الثغرات التي تتكرر من خلال تعزيز فكرة السفر والتنقل، رغبة في العيش الكريم والتجديد، وتعلم الصبر على الشدائد، والإقدام والقوة دون كلل أو ملل.

من المؤكد أن حاجتنا الماسة لمثل هذه اللفتات التراثية التي تؤطر للإرث التاريخي، لتساهم في تعميق تلك الروافد واستنطاقها لتعبر عن المسكوت عنه بطريقة ليست نمطية أو رتيبة، بل هناك محاولات جادة لكي نجعل ذاك السينار قابلاً للبحث والتقصي والتجديد، للتوصل إلى كشاف شامل للمنتج الفكري الابداعي، ولدينا كل الآليات التي تساعدنا على التفاعل مع تلك الفضاءات الفنية للاندماج مع الأنساق، وتحويل ذلك السلوك السيناري إلى وصف رائع لجماليات الغوص والتنقل دون نمطية أو ثبات، فهو قابل للديناميكية المتجددة، وتكسبه تلك الفضاءات خصوصية مميزة، تقدمه كأنموذج للحداثة، مع المحافظة على الإرث، لكي تستثمر من خلاله الجماليات الرحبة والمقننة، دون ضابط يخنقها، ليحد من إنتاجيتها الرحبة كي تتفاعل مع المتلقي بإيجابية لاحدود لها، وهذه الازدواجية الفنية هي التي تقدم لنا صياغة قادرة على استيعاب جميع أنواع الخطاب السيناري لرفع الالتباس، وبجدلية فاعلة للوصول إلى عمق الغوص، وفي وجه هذا التجاذب نخلق مادة منسقة وأدبية وثقافية، تتناسب وهذه الأجواء الرائعة، بتصورات مفعمة بالحب والعواطف والجمال، وهنا نستطيع أن نركز على جانب أفانين وأهازيج الغواصين التي تحمل في طياتها عالماً آخر، قادراً على تحويل الإرث إلى مشروع تجديدي يعنى بفنون القول والأدب، بعد تحويله إلى نظرية جديدة تتجاوز كل المقاييس المعيارية الجامدة، دون تمحل أو شطط أو انكفاء على الذات، وعلى القيم السلوكية التي تمثل حالة الثقافة في المصطلح الإماراتي بشكل خاص والخليجي بشكل عام، حيث تجسد تلك المظاهر الحياتية المشار إليها حياة واسعة بطريقة معاصرة، تلامس مناطق الإبداع في ذوات أصحابها، بتجاوزها للروتين والصياغة المعيارية الضيقة، كي تستوعب جميع أنواع الخطاب الجمالي للغوص، واضعاً في اعتباره زمنية ذلك وتأصيله التاريخي، لكي يتماهى مع معطيات الممارسة الغوصية بطريقتها الحديثة، لتعطي بعداً إضافياً لاستكمال تلك الدائرة، وتقارب المسافات التي كانت بؤرة المشكلة في هذا الفن، والتألق على القمة الجمالية، والأهم الوظيفة الدلالية لمفهوم السنيار.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف