• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

جديد دار «ورق» رواية «نعيمة» للتشيلية إديت شاهين

سرد جذاب ولغة مفعمة بالحنين ومشبعة بالتاريخ السوري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 مايو 2014

محمد وردي (دبي)

صدر حديثاً عن دار «ورق» الإماراتية للنشر والتوزيع رواية «نعيمة ـ قصة أمي الطويلة» للكاتبة التشيلية من أصل سوري إديت شاهين، التي صدرت طبعتها الأولى بالإسبانية عام 2002، وعرَّبها المترجم رفعت عطفة بحوالى ستمائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط.

الرواية سِفْرٌ أدبي جميل، يروي تاريخ سوريا عشية الحرب الكونية الأولى على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال رصد مسارات بطل الرواية «يوسف»، الذي دفعت به الأقدار للهجرة إلى الأميركيتين بحثاً عن الرزق، شأنه شأن عشرات آلاف السوريين في نهايات القرن التاسع، بعد أن شاخت السلطنة العثمانية، وأنهكت قواها الحروب المفتوحة على جبهات مختلفة، دامت لسنوات عدة، فصارت «الانكشارية العثمانية» تأكل خيرات البلاد والعباد معاً كوقود للحروب المفتوحة، ما جعل بلاد الشام نهباً للفقر والمجاعات، وفساد «الجندرمة»، فكانت الهجرة بوابة الخلاص للشاب اليتيم يوسف ابن التاسعة عشر ربيعاً، حيث تطوح بالمرافئ والسفن في رحلة استغرقت عامين إلى أن استقر المقام به في تشيلي، وعمل هناك مدة خمسة أعوام متتالية، ما جعله يكون ثروة صغيرة، تكفي لتأسيس حياة جديدة في مسقط رأسه، فعاد إلى بلدته «أوتان» في حمص عام 1912، وكان يهجس بشراء بعض كروم العنب، وتشييد منزل ومن ثم الزواج وتكوين أسرة صغيرة تعوضه قسوة اليتم والحرمان الذي عاناه بطفولته، فضلاً عن مشقات الاغتراب. وبالفعل باشر يوسف بتوقيع أحلامه على أرض الواقع فور وصوله إلى بلدته، إلا أن نُذر الحرب العالمية الأولى بدأت تلوح بالأفق، حيث راحت «الجندرمة العثمانية» تطبق مجدداً على المدن والقرى، لجمع شبانها ودفعهم إلى ما يعرف بالمرويات الشعبية «سفر برلك».

أقدم معمورة

ولكن يوسف أو بطل الرواية الذي تفتح وعيه في الاغتراب، حيث عرف ماضي بلاده الضارب في أعماق التاريخ، وأدهشه أن «الشام» هي أقدم معمورة مأهولة على كوكب الأرض، إلى جانب طموحه الجامح بالاستقرار، بالإضافة إلى رفضه المشاركة في الحرب، فتعددت الأسباب التي جعلته يرفض هذا الواقع جملة وتفصيلا، ما جعله مطاردً للسلطات العثمانية.

ترصد الرواية مسارات هروب يوسف داخل سوريا ليحمل زوجته وشقيقته الوحيدة، بحثاً عن سفن ومرافئ جديدة في هجرة أخرى يعرف نهاياتها وخبر مساراتها في الهجرة الأولى.

الكاتبة أديت شاهين رغم أنها مولودة في تشيلي، وعاشت فيها ردحاً طويلاً من عمرها، وهربت بدورها من حكم الجنرال أوغست بينوشيت الديكتاتوري، فاستقرت في إسبانيا كأستاذة جامعية، ولم تعد حتى اللحظة إلى تشيلي، كما أنها لم تزر سوريا نهائياً حتى عام 1997، حينما وطأت أرض الشام كسائحة، حاولت خلالها أن تتلمس مسارات هروب والدها، الذي لم تحتفظ له بصورة في ذاكرتها، وإنما عرفته من خلال حكايات الأم، لأنه مات وكان عمرها بضعة شهور، فهي آخر العنقود الذي يتشكل من سبعة ذكور وسبع إناث أنجبتهم نعيمة، كما فعلت أمها منور عطرة، ودفنت مثلها بدقة متناهية، ستة ذكور لحظة ولادتهم أو بعدها بشهور أو سنوات قليلة، فعاشت الإناث السبع بصحبة شقيق واحد في الحالين. إلا أن شاهين كتبت عن أدق التفاصيل في الواقع السوري في مطالع القرن العشرين، بلغة سردية جذابة، مفعمة بالحنين إلى الجذور، ومشبعة بدقائق التاريخ والجغرافيا، فالتقطت بعين «رادارية» مرهفة الثقافة الشعبية في القرى والأرياف السورية، كما لم يفعل الكتاب السوريون المقيمون في جنبات البلاد. ما يجعل المتلقي يتساءل عن سر هذه الخبرة والحرفية، في التصوير الأدبي الماتع، الذي تميزت به رواية «نعيمة» لجهة التعامل مع المعيوش اليومي، في واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي قبل مائة عام بالتمام والكمال، لم تره الكاتبة إديت شاهين بعينها ولو لمرة واحدة؟ وهل حقاً أن معينها الوحيد، كان من حكايات الأم نعيمة، ورسائلها لحفيدها، وحكايات أبناء الجالية السورية التي كانت تلتقيهم في المناسبات؟

الأقدار الفائقة

ربما متعة قراءة الرواية، تغني عن الإجابة على مثل هذه التساؤلات، لأنها تنطوي بحق على محمولات فنية وجمالية وفلسفية غاية في الأهمية، وبخاصة على مستوى الدلالات الوجودية المتعددة، سواء لجهة تكرار مأساة السوريين في الفرار من بلادهم في مثل هذه الأيام بعد قرن على فرارهم الأول، أو لجهة فرار الأم نعيمة من سوريا إلى تشيلي، الذي يتكرر مع ابنتها إديت، الكاتبة عينها، بالفرار من تشيلي إلى إسبانيا، أو لجهة التساوي بعدد الأبناء وموت ستة ذكور لكل من الأم والابنة. هل هي الدورات الوجودية المتعاقبة، التي يتحدث عنها الفلاسفة، وتتكرر على فترات تاريخية متباعدة؟ أم أنها صُدفة الأقدار الفائقة بعذاباتها، التي تجعل للفناء أسباباً يستوعبها العقل الإنساني؟ وهذا ما يجعل ترجمة الرواية إلى العربية في هذا الوقت بالذات، وعرضها في «مهرجان أبو ظبي الدولي للكتاب» الحالي «ضربة معلم» كما يقولون، وتُحسب للكاتبة عائشة سلطان صاحبة ومديرة دار «ورق» للنشر والتوزيع.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا