• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

القمة الروسية التركية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 15 أغسطس 2016

اعتاد بوتين استغلال الفرص المتاحة لتحقيق حلمه في استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي الذي دمرته أميركا لتبني على أنقاضه أسس العالم الجديد الذي رسمته بزعامتها. لكن القيصر الروسي العنيد لم ينفك يعمل على وقف الزحف الأميركي من خلال زعزعة الاستقرار في العالم ودعم كل الأطراف المعادية لأميركا في آسيا وأوروبا. كانت أول محاولاته التقرب من النظام الإيراني المتطرف، وتمتين الارتباط التجاري والاقتصادي معه.

أما العلاقات الروسية – التركية، فقد كانت على مدى تاريخها عدائية، حيث دارت أكثر من 13 حرباً بين الطرفين على مدى خمسة قرون. إلا أن العلاقات الروسية التركية، شهدت تطوراً على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتم تعزيزها من خلال معاهدة تم توقيعها في مايو عام 1992. بعد ذلك اتجهت العلاقات الروسية – التركية نحو الواقعية أكثر، والتركيز على التعاون بدلاً من الصراع، بوصفهما دولتين كبيرتين متجاورتين اتبعتا استراتيجية جديدة لاستعادة دورهما الفاعل على الساحة الدولية، بعيداً عن الخلافات القديمة، الأمر الذي تطلب تعزيز التعاون بينهما، خاصة الاقتصادي بسبب وفرة المصالح التي تجمعهما وتنوعها. تسارع انفتاح الدولتين على بعضهما، خاصة في بداية الألفية الثالثة، وبلغت ذروة التعاون بينهما عام 2012، حيث تم تأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى. وكان من نتائجه بعد عقد القمة الروسية التركية في ديسمبر عام 2014 أن وصل حجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا إلى ما يقارب 33 مليار دولار، وصلت فيه الصادرات الروسية إلى 80%. وتعتبر تركيا سابع شريك تجاري لروسيا، وثاني أكبر أسواق التصدير بعد ألمانيا، بينما أصبحت روسيا ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد الاتحاد الأوروبي، فيما بلغ عدد السياح الروس إلى تركيا 4,5 مليون نسمة عام 2014. وها هو أردوغان يقابل بوتين في مدينة سان بطرسبورغ بعد توتر ساد العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة على خلفية الحرب في سوريا، وما هو مرتبط بإسقاط سلاح الجو التركي للمقاتلة الروسية. وشهدت القمة مصافحة بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان بعد قطيعة دامت أشهراً. ولم يهمل أردوغان أهمية التعاون بين بلاده وموسكو في معالجة قضايا المنطقة وأزماتها، مؤكداً، في تصريح صحفي مغازلاً فيه موسكو، استحالة تسوية القضية السورية وإيجاد حل سياسي لها بمعزل عن روسيا. أدرك أردوغان أن تركيا تعاني فترة تزايد العزلة الدولية لها بعد إحجام الكثير من الدول الأوروبية عن قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، لاسيما بعدما أخذت تداعيات الانقلاب التركي الفاشل تتفاعل، فقرر إيجاد ورقة ضغط لتضييق الهوة مع أوروبا، لاسيما بعد إدراكه أن تحالفه مع موسكو يمكن أن يخدم أيضاً أهدافه في كسب ود إيران، الجارة اللدود والحليف الروسي القوي.

أما موسكو التي احتضنت عودة أنقرة في لجوئها الاقتصادي إلى روسيا، خاصة في المشاريع الاستراتيجية كمشروع «السيل التركي» مقابل مشروع «السيل الجنوبي» الذي تعطل مروره من بحر قزوين عبر بلغاريا، إثر أحداث أوكرانيا والقرم، فهي لم تفتح ذراعيها لإنقاذ تركيا من ورطتها السياسية مع الدول الغربية والإقليمية من دون مقابل سياسي. فبينما يتلمّظ الرئيس التركي من العزلة السياسية التي تفرضها دول حلف «الناتو»، كما أوضح في مقابلته مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، يشير بوتين إلى ما سماه بأسلوب دبلوماسي «البحث عن حل مشترَك للأزمة السورية». ففي سوريا بداية طريق التلاقي السياسي بين الطرفين أو التصادم.

نصّار وديع نصّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا