• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يبقى السباق بين الديناميكية والفوضى الاجتماعية والسياسية في البرازيل قائماً منذ زمن طويل من دون أن يظهر فائز

مستقبل البرازيل.. حدود للتفاؤل

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 13 أغسطس 2016

تايلير كاون*

كثيراً ما وُصفت البرازيل بأنها «دولة المستقبل، وستبقى كذلك إلى الأبد». وفي هذا الوقت الذي تختطف فيه الألعاب الأولمبية اهتمام العالم بهذه الدولة التي تثير أوضاعها حيرة المحللين، يكون من المهم اكتشاف مكامن الخطأ والصواب في هذا الوصف.. ولا يرتبط اللغز الذي يحيط بدولة البرازيل بأسباب ومقومات نجاحها أو فشلها، بل بالطريقة الغريبة لامتزاج هذه الأسباب والمقومات وتداخلها بعضها في بعض. ويُعرف عنها أنها تضم شعباً مفعماً بالمشاعر الديناميكية، وهي التي شهدت سنوات طوالاً من الانتعاش بعد الحرب العالمية الثانية بلغ خلالها معدل نموها الاقتصادي رقمين عشريين (أكثر من 10%). وأظهرت مؤشراتها الاقتصادية لعام 2009 أنها في طريقها إلى أن تصبح المعجزة المقبلة على المستوى العالمي. وفي عام 2012، نشرت مجلة «دير شبيجل» الألمانية مقالاً مطوّلاً تحت عنوان (كيف أمكن للحوكمة الجيدة أن تجعل من البرازيل دولة نموذجية). إلا أن البرازيل لم تتمكن أبداً من الارتقاء إلى المستوى الذي يجعلها عضواً في نادي الدول المتقدمة. وانخفض النصيب الفردي لناتجها المحلي الإجمالي إلى أقل من نسبة تتراوح بين 4 و7 مرات عما هو في الولايات المتحدة، أو إلى المستوى الذي كان عليه قبل أكثر من قرن من الزمان. وهي تواجه الآن واحدةً من أقسى فترات الركود الاقتصادي التي يمكن أن تعانيها أية دولة في العصر الحديث. وتواجه الرئيسة دلما روسيف (المعزولة بصفة مؤقتة)، سلسلة من التهم. وكانت العديد من مظاهر الفشل الإداري والسياسي، مثل الفساد وعنف رجال الأمن والسلب الذي يتعرض له الرياضيون والمياه الملوثة والافتقار إلى المنشآت، وراء تساؤل المحللين عما إذا كانت البرازيل قادرة على إدارة الألعاب الأولمبية من دون إصابة الدولة ذاتها بحالة إحباط.

وهناك تناقض واضح بين اقتصاد البرازيل وتاريخها. ويكمن أوضح مظهر لهذا التناقص في أن البرازيل بلد ضخم من حيث المساحة وعدد السكان، إلا أنه من الصعب على الدول الكبرى أن تحقق الاندماج واللّحمة الاجتماعية بالمقارنة مع الدول الأصغر حجماً مثل الدنمارك وسنغافورة. وكثيراً ما عانت دول ضخمة مثل الصين والهند وروسيا مشاكل أثناء سعيها لتأسيس نظام مستقرّ للحوكمة السياسية. وتمثل الولايات المتحدة استثناءً (جزئياً) لهذه القاعدة العامة. ومن الناحية النظرية، يمكن القول إن ضخامة البرازيل تساعد على تحقيق قدر أوسع من الديناميكية والنشاط. وهي تضم عدداً كبيراً من ذوي الكفاءات وسوقاً محلية تبلغ من الضخامة ما يتيح لها القدرة الكافية على تطوير صناعتها. ويُعرف عن البرازيليين قدرتهم على رسم الخطط الطموحة في كل المجالات بما فيها تطوير الاستفادة من نهر الأمازون. وتمكنت البرازيل من بناء العاصمة برازيليا في سهول ومستنقعات السافانا انطلاقاً من نقطة الصفر، وهو المشروع الذي لاقى الكثير من الانتقاد، ولكنه نجح في نهاية المطاف. وربما ينافس قطاع الإنتاج الموسيقي في البرازيل نظيره الأميركي بسبب القاعدة الواسعة من أصحاب المهارات والسوق النشيطة والضخمة لترويج المنتجات الموسيقية.

ويضاف إلى كل ذلك أن البرازيل تتمتع بالتنوّع الكبير من الناحيتين الإثنية والثقافية، وهي التي تجاوزت تاريخها القديم كمستعمرة برتغالية. فالعاصمة برازيليا تضم أضخم تجمع لليابانيين خارج اليابان، وأن والد الرئيسة روسيف ولد في بلغاريا. وفي بعض القرى المترامية جنوب البرازيل، يتحادث الناس ببعض اللهجات الألمانية ويعيشون في بيوت مبنية ومفروشة على الطراز الألماني. وتتألف مجتمعات بعض القرى والحواضر البرازيلية من سكان الولايات الأميركية الجنوبية الذين فرّوا من أهوال الحرب الأهلية الأميركية. ولا يزال التأثير الاجتماعي للأفارقة الذين تم جلبهم كعبيد، ضخماً وخاصة في ولايات الشمال الشرقي.

ويمكن للتنوع الإثني أن ينطوي على الفوائد الكبيرة في مجال الإبداع والابتكار. وهذا ما يقوله سكوت بيج، عالم الاجتماع في جامعة ميتشيجن. ويتضح هذا التفوق الآن في صناعات إبداعية متعددة مثل الموسيقى والأزياء والهندسة والتصميم وتحضير المأكولات. ولقد اتضحت بعض المعالم الرمزية لهذا التفوق من خلال طريقة إخراج وتنفيذ الحفل الافتتاحي لدورة الألعاب الأولمبية (على الرغم من تأثيرها السلبي على الميزانية العامة للدولة).

إلا أن هذه العناصر والمؤشرات لا تنطوي على الجوانب الإيجابية وحدها. ويقول روبرت بوتمان، عالم السياسة في جامعة هارفارد، إن التنوع الإثني والثقافي يمكنه أن يضرّ بالحياة المدنية وأن يتحول إلى سبب لافتقاد المجتمع للثقة بالأداء السياسي العام للدولة. وتشتهر البرازيل بتاريخها الطويل مع التقصير في تأمين الخدمات الأساسية لمواطنيها مثل التعليم والأمن المجتمعي والمياه النظيفة.

وهكذا، يبقى السباق بين الديناميكية والفوضى الاجتماعية والسياسية في البرازيل قائماً منذ زمن طويل من دون أن يظهر فائز فيه.

*محلل اقتصادي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا