• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

خبز وورد

ما قيَّظت حتا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 13 أغسطس 2016

مريم جمعة فرج Maryam.Juma@alIttihad.ae

«اعدّوا بالعيد مكريهم... ما تريّوا راس الهلال!»، هذه أبيات شعرية قديمة عن صيف زمان، ومن الذاكرة نفسها حدثتنا أمهاتنا، عن شيء اسمه المقيظ لنقول كلمات جميلة في مديح صيف أولئك القييظات «هبات الريح»، اللاتي لم يثنيهن شيء عن الارتحال بعيداعن الخيام وبيوت الطين للاستمتاع بجمال الطبيعة وجوّها بارتياد المقايظ القريبة والبعيدة. وبالتأكيد فقد كنَّ هنَّ من فتح قريحة الشاعر وألهمه أن يقول هذه الأبيات المؤثرة. ومن الواضح أن الشاعر أراد أن يصف تقليدا قديما ارتبط بفصل الصيف بشكل عام وبرعت فيه المرأة، مقابل تقليد صيفي آخر برع فيه رجال الإمارات قديما هو السفر للغوص بالتزامن مع تحركات النسوة صوب بساتين النخيل والبراحات.

أشياء كثيرة ارتبطت سيرتها على نحو أكبر بالمرأة والعائلة وأخرى بالرجل ونذكر ما نذكر من أحاديث الأولين عن قيظ النساء، كيف كنَّ يتدبرن أمر خروجهن إلى أماكن بعيدة بالترتيب مع «المكري» أو دليل الرحلة وصاحب «الركاب» أي الجمال وونيس الدرب الطويل، الذي كنَّ يستمتعن فوق كل شيء بمسامراته وأهازيجه وأشعاره مقابل أجر لا يتعدى العشر روبيات، وقد يصل إلى روبيتين لكي يوصلهن إلى مناطق «الحضارة» في العين والبريمي أو رأس الخيمة في رؤوس الجبال وشمل وغليلة أو خصب والباطنة ودبا وكلبا وسواحل الفجيرة وحتا والذيد.

صورة هي اليوم بالأبيض والأسود لأماكن كانت مصايف راقية، قيظ وماء ونخيل في سوالف الأمهات والجدات أبلغ من الكلام، تبصرها عندما تطالعك اليوم بقايا أشجار نخيل سمَقَتْ ذات يوم بقاماتها، ومثلها أشجار «الهمبا» أو المانجو والليمون الأخضر والتين والزيتون والموز والدجاج العربي والسمن و«المكاب» و«المهاف»، أماكن تختزل في ذاكرتها اليوم تراثا ليس إلا. كلما تداعت في الذهن هذه الصورة تراءت لك تفاصيل من حياة المرأة فيها تطالعها واحدة واحدة، وفي كل جزئية منها خصوصية، غير أن أجمل تلك التفاصيل هي شيء كنزوح الأرواح إلى تلك الأماكن التي كانت الأكثر شعبية والتي «استوحشت.. وعقب عربي تمت أقفار» على رأي الشاعر.

سيرة السفر في جمالياته وقبحه لايخلو منها تاريخ الإمارات، لكن نتذكر هذا ونتذكر هروبنا نحن نساء اليوم من القيظ، هروب يتجاوز الحدود إلى كل العالم، إلى قارات أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا وأستراليا.. تحملك إلى هذه الأماكن الطائرة أو السيارة، بينما مقيظ نساء الأمس لم يتجاوز حدود المكان إلا قليلا، ولشدة تواضعه وصف الشاعر قيظ إحداهن قائلا:

«ما قيظت حتا ولا خصب يتها

مقيظة «بوهيل» هي وارْباعتها».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا