• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

هناك 459 مدينة في أوكرانيا وكلها لديها 30 شارعاً تحمل أسماء رموز سوفييتية، ومن الصعب تغييرها لأن ذلك يعني تغيير السكان لبياناتهم

أوكرانيا.. قوانين ضد الحقبة السوفييتية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 18 أبريل 2015

جادل مروجو الدعاية الروسية لفترة طويلة أن الثورة الأوكرانية، التي أطاحت الرئيس المنتخب والموالي لروسيا قبل سنة، كانت نتاج التطلعات القومية المتطرفة وليس الطموح الديمقراطي المشروع، واليوم تأتي سلسلة من القوانين، التي أقرها البرلمان الأوكراني، لتؤكد هذه النقطة على ما يبدو، ففيما يقول البعض في كييف إن إقرار قوانين وتشريعات تحظر استخدام الرموز الشيوعية، وتمجد محاربين قاتلوا ضد الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية، وترفعهم إلى درجة الأبطال الوطنيين، هي خطوات تأخرت كثيراً، يعتقد البعض الآخر أن مثل هذه القوانين المثيرة للجدل تهدد بتعميق الشرخ في المجتمع الأوكراني، في وقت باتت فيه فرص المصالحة بين المناطق الغربية لأوكرانيا ذات التوجه الأوروبي، والأخرى الشرقية المتأثرة بروسيا، أبعد من أي وقت مضى.

ومن تلك القوانين المثيرة التي مررها البرلمان الأوكراني في الأسبوع الماضي حظر الأيديولوجية الشيوعية، ومعها جميع الرموز المرتبطة بها، بما فيها على سبيل المثال النجمة الخماسية الحمراء والراية القرمزية، والمطرقة والمنجل، بل يفوض القانون السلطات المحلية بإزالة المآثر التاريخية العائدة للمرحلة السوفييتية، وتغيير أسماء الشوارع التي تمجد أبطالاً من الحقبة الشيوعية.

لكن «أوليكساندر كليمنكو»، وزير الإيرادات الأوكراني في حكومة «فيكتور يانوكوفيتش»، يقول: «إن تغيير أسماء الأحياء قد يكلف الحكومة التي تعاني أصلاً من ضائقة مالية خانقة، كلفة باهظة»، موضحاً ذلك بقوله «هناك 459 مدينة في أوكرانيا، وكلها لديها ما يقارب 30 شارعاً، تحمل أسماء رموز سوفييتية، ومن الصعب تغيير تلك الأسماء لأن ذلك يعني تغيير السكان لبياناتهم، وإعادة رسم الخرائط بمعلومات جديدة، وكل ذلك من أجل تطبيق قانون تحركه مشاعر قومية لا أحد في حاجة إليها»، وبمقتضى القانون يمكن للحزب الشيوعي الذي لا يتوافر على مقاعد في البرلمان إلا أنه يسير مجالس محلية، أن يدخل حيز الحظر، ويصبح ممنوعاً من ممارسة نشاطه. غير أن سلسلة القوانين الأوكرانية المؤججة للانقسام لا تقف عن هذا الحد، بل تجاوزتها لقانون مثير آخر يتعلق بالاعتراف ورد الاعتبار «للمحاربين من أجل الاستقلال» الذين قاتلوا القوات السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية، والمشكلة أن عدداً من المؤرخين يقولون إن هؤلاء المقاتلين مثل ستيبان بانديرا ورومان شوخيفيش، تطاردهم تهم التعاون مع النازيين، ومشاركتهم في عمليات التطهير العرقي ضد اليهود والبولنديين خلال الحرب، ولأن ما يقارب من 200 شخص ممن حاربوا الاتحاد السوفييتي ما زالوا على قيد الحياة، فإنه وبموجب القانون الجديد سيحصلون على معاشات تقاعدية وامتيازات أخرى، اعترافاً لدورهم «كمناضلين من أجل الاستقلال».

وفيما ينظر غرب أوكرانيا إلى هؤلاء الرموز باعتبارهم أبطالاً ترى الغالبية في شرق البلاد التي شارك أجدادها في قتال النازية إلى جانب الجيش الأحمر السوفييتي أنهم أعداء، هذا التناقض وتداعياته المحتملة هو ما عبرت عنه المحللة هاليا كويناش من صحيفة «كييف بوست»، قائلة: «يجب ألا نتوقع صمت آلة الدعاية الروسية الممولة جيداً عن مثل هذه القوانين، بل تتيح لها فرصة ذهبية لتأجيج مشاعر الغضب لدى الناس وتعميق الانقسام الحالي في المجتمع الأوكراني»، أما القانون الثالث فيتعلق بإنهاء تقليد دأبت عليه أوكرانيا وروسيا بتخليد الانتصار على ألمانيا النازية في 9 مايو من كل عام، وتغيير التاريخ إلى 8 مايو، ليتوافق مع احتفالات أوروبا الغربية التي تخلد فيه انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما علقت عليه إيرينا فيريشوك العمدة السابقة لإحدى مدن أوكرانيا الغربية، قائلة: «هناك الآلاف من قدامى المحاربين الذين خدموا في الجيش السوفييتي، واعتادوا على الاحتفال في التاسع من مايو، وهم سيشعرون بإهانة مجانية بسبب القانون». لكن لماذا تمرير قوانين من شأنها تكريس حالة الاستقطاب المجتمعي؟ يرى مؤيدوها أن القوانين جاءت بعد سلسلة من الهزائم العسكرية التي منيت بها كييف في صراعها مع قوات المتمردين في شرق البلاد، والتي لم تنتهِ إلا بعد التوقيع على الهدنة، كما تأتي عقب أزمة اقتصادية، وظهور خلافات داخل الحكومة، ما يعني أن الأوكرانيين في حاجة إلى معرفة عدوهم الحقيقي والتركيز عليه، وهو ما يبرر القوانين.

لكنّ آخرين يرون أن السعي لإنهاء خلافات تاريخية في وقت تعاني فيه البلاد من حرب أهلية يجافي الصواب، كما أن توقيته غير مناسب بالمرة، هذا الرأي عبر عنه ميخائيل بوجربينسكي، مدير مركز كييف للدارسات السياسية، قائلاً : «إن هذه القوانين ليس واقعية وغير قابلة للتطبيق في ظل المشكلات التي نواجهها، فكل شيء يعود للحقبة السوفييتية صار محظوراً بحكم القانون، فهل نتخلى عن مشاهدة الأفلام التي اعتدنا عليها؟ وكأن قادتنا يريدون استمرار الحرب، وتعميق الانقسامات في البلد، وهنا لا يمكن إلقاء اللوم على بوتين، بل لن نلوم إلا أنفسنا».

فريد واير*

* محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا