• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

أنموذج باهر للسرديّة السّيَريَّة

سلفادور دالي.. وقائع الحياة السريَّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 أغسطس 2016

نبيل سليمان

بعد أكثر من خمسمئة صفحة من سيرته يكتب سلفادور دالي (1904-1989) أن الكتّاب يشرعون بكتابة مذكراتهم عادة في منتهى حياتهم. أما دالي القائل: «مع نقيصتي التي تملي عليّ أن أقوم بكل شيء بشكل مختلف عن الآخرين، بل بعكسهم»، فقد اعتقد أن من الذكاء أن يكتب مذكراته أولاً، ثم يعيشها، أي أن يصفي نصف حياته الأول ليعيش النصف الآخر حراً من سلاسل الماضي، ويفعل كما تفعل الأفاعي، فيسلخ جلده، ويحيا بلحم رغبته، بجلد جديد، ويكون أرضاً بكراً هي أرض الحرية، حيث تبدأ نهضته من غد اليوم الذي ستصدر فيه سيرته التي صدرت العام 1942.

يمكن وصف ما كتب دالي من سيرته، بالسيرة الروائية، بل وبالرواية السيرية، وحيث تتجلى عبقرية هذا الفنان ككاتب، كما أكدت روايته (وجوه خبيئة) أيضاً. ابتدأ سيرته باستذكار عهده في الرحم كما لو كان في الأمس، ففي ذلك الذي يسميه الفردوس الرحمي الذي بلون الجحيم، الناعم والثابت والدافئ والمتناسق والدبق والمزدوج.. كانت للجنين دالي ألعابه التي تقوم على جعل الدم يذهب إلى الرأس عبر الأرجحة. ويشبه دالي هذه الأخيولات بالأخيولات التي جدّت بعد الحرب العالمية الأولى، لا ينسى ما يطرد واحدنا بالولادة من الفردوس. وسيظل هو بعد الطرد يبلل فراشه حتى الثامنة، لمجرد إحساسه بالمتعة. وهذا الطفل الذي كان الملك المطلق في البيت، لمح شقيقته ذات السنوات الثلاث تحبو، فتردد لحظة ثم رفسها على رأسها كأنها كرة، وتابع طريقه مغموراً باللذة. كما دفع بطفل من على جسر قيد الإنشاء، فهوى المسكين من ارتفاع خمسة عشر قدماً، ثم جرى دالي إلى البيت ليعلن فعلته. ولئن كان في طفولته معجباً بالشيخوخة وبالضعف، فقد كان ممتلئاً أيضاً بالشعور الاستبدادي بالعزلة المطلقة، مع الإحساس بالسمو، والرغبة في البقاء في الأوج. وكان شغوفاً بالتخفي، كما كان الألم الفيزيائي يعزز (بلاغته)، وألم الأسنان يطلق العنان غالباً في داخله لفورة خطابية. وقد كان للكتب المصورة الصغيرة التي يهديها له والده أثر حاسم في حياته، كما جذبته صور العراة بخاصة. وفي غرفة الغسيل أسس استوديو للرسم، وكان يمضي فيه ساعات وحيداً.

صور بديعة وجديدة

لم تسم هذه الغرائبية طفولة دالي فحسب. ولكن قبل متابعة ذلك، لنا وعلينا أن نتأمل ما تحفل به سرديته السيرية من الصور البديعة الجديدة التي تعزز في هذه السردية أدبيتها الاستثنائية. فها هو يتساءل عما هو أكثر خفة وخيالية وحرية من (الإزهار الشجري) للعقيق، الذي ينشأ عن أشرس قيود البيئة الغروية، بحيث تكون نعومته وهوائيته وتشعبه الزخرفي، مجرد آثار لبحث ميئوس منه من أجل الفرار من عذابات الموت. وبذلك، ليست حالة العقيق حالة نبات تحوّل إلى معدن، بل حالة شبح طيفي لنبات، ولهلوسته المميتة.

ذاك هو العقيق في مخيلة دالي الذي يتحدث عن (العقيق المتشجر لعبقريتي الغريبة). وليس هذا إلا ذرة مما يُعدّ إدراك دالي المغرور لذاته، فتراه يتحدث عن ذكائه الاستثنائي الخاص جداً، وعن توافق كل شيء معه، وعن أن شيئاً لم يغيره وهو الطري الجبان المرن. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف