• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الكاتب - العنكبوت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 أغسطس 2016

د. أم الزين بنشيخة المسكيني

لماذا لا تنفكّ شاشاتنا عن تأثيث نشرات الأخبار بإحصاء القتلى، أو بإحصاء نسبة سقوط الدولار أو ارتفاعه، كما لو أنّ انتعاش سوق البورصة مرتبط رأساً بحزن أوطاننا الصغيرة على الضحايا الذين يسقطون كل يوم في مدائننا الحزينة؟ لماذا وبدلاً عن المراوحة المرعبة بين صور الضحايا وانتصارات الدولار لا نخبر كل يوم عن عدد القصائد أو الروايات أو الأفلام، أو القصص التي كُتبت هنا وهناك على ورق الحلفاء أو على شبكة العنكبوت؟ نعم من حقّ القتلى فضح القتلة، لكن من حقّ الأحياء أيضاً مقاومة صناعة القتل بالسرد والقصائد والأغنيات. وبقدر ما تقتل الأجندات الإرهابية المتوحّشة، وتحت كل عناوين الإرهاب الإمبريالي العالمي، وبقدر عدد الضحايا والموتى تولد كل يوم قصائد وروايات وأغنيات جديدة : هي حارسة الحياة، وهي الضامنة لتدفّق المعاني دوماً من جهة أخرى.

ربّما سيضحك القارئ صاحب الأسهم وسيهمس في نفسه، في حال يملك نفساً: وأيّ شأو للكتابة وللكتّاب، باعة الأوهام، وسكّان مناطق الظلّ وضفاف الوجود الورقي الذي لا يُحتمل؟ وفي عصر شيّد نموذج الإنسانية على قيمة الاستهلاك لا شيء ربّما ننتظره من هذا النمط من الإنسان المسعور بالاستهلاك غير المعنى الحرفي للعبارة كما ترسمه لغة الضاد في ضرب من اللعب اللغوي ذي الرمزية العميقة: لا شيء غير طلب الهلاك. ورغم أنّنا قد صرنا جميعاً نسكن عالماً معولماً واحداً يستهلك نفس البضائع والماركات ويقود نفس السيّارات ويتبادل نفس المعلومات ويتعطّر بنفس العطورات، فيبدو أنّ الفرق العميق بيننا وبين الغرب إنّما يكمن في مدى اهتمامهم بالثقافة والكتاّب والمبدعين، في حين لم تبدأ ثقافتنا بعدُ في التأريخ لنفسها من وجهة نظر كتّابها ومبدعيها. لا يزال الشاعر في أوطاننا يطلب ثوباً ولا يزال الفيلسوف يقبع في طيّات كتاب. لقد وُلد الكاتب في الثقافة الغربية منذ عصر التنوير ومع مقولة العبقرية الرومانسية بخاصّة، ثمّ مع ولادة الجنس الأدبي بشكل مخصوص. ولقد أعلن الغرب عن «موت الكاتب» مع رولان بارط ومع أقطاب فلاسفة الاختلاف والتفكيك مع فوكو وليوتار ودولوز ودريدا منذ سبعينيات القرن العشرين. والسؤال الذي يؤرقنا ههنا هو: هل وُلد الكاتب في ثقافتنا حيث ينبغي أن يولد، أي في الكتابة وليس في بلاط الملوك كما في الثقافة العربية الوسيطة، أم لا يزال الكاتب يكتب أحياناً خلسة كي لا يُجلد أو يُعدم كلّما أشار إلى حيف في السلطة؟ لماذا لا تزال ثقافتنا تعدم الشاعر من أجل قصيدة؟

بيكات قال ذات مرّة : «لا يهمّ من يتكلّم ؟» فالكلمة حرّة حيثما نطقت بها الألسن. لأنّها ليست حكراً لا على مؤسسة الدولة ولا على مؤسسة اللاهوت.

ليست الكلمة ملكاً لأحد حتى للكاتب الذي ينطق بها ويوقّعها. وذاك هو معنى أطروحة «موت الكاتب» التي أعلن عنها رولان بارط في نصّ له بهذا العنوان سنة 1968. لكن هل أنّ «موت الكاتب» حدث جنائزي حزين؟ أم هو استعارة أدبية للتأريخ لضرب جديد من علاقتنا بالكتاب وبالكتابة فرضته تحوّلات عميقة في تصورنا للعالم وللإنسان معا؟

من هو الكاتب؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف