• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

يقوِّض الدول من الداخل

العنف الناعم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 أغسطس 2016

د. سعيد توفيق

تمثل ظواهر العنف كابوساً مؤرقاً في واقعنا العربي الراهن، بل في الواقع العالمي الذي يعاني أيضاً العنف، سواء تبدى في صورة الإرهاب، أو أية صورة أخرى. وقد رأيت أن أتناول هنا هذه المسألة تناولاً فلسفياً عاماً يُعنى بجذور ظواهر العنف، ذلك أننا إذا اكتفينا بوصف ظواهر العنف وتحليلها، دون التطرق إلى البحث عن جذورها، فلن نفهم حقيقتها، ولن نتمكن من مواجهتها.

ما إن نطرح قضية العنف على مستوى التأمل الفلسفي حتى تلاحقنا التساؤلات، وهي تساؤلات فلسفية ضرورية أولية في كل محاولة فكرية، فالتفلسف- في جوهره وروحه العامة- هو تساؤلات أكثر من كونه إجابات، ولذلك فأن فهم الظواهر يبدأ فقط عندما تبدأ التساؤلات، فعندئذ فقط تبدأ حقيقة الظاهرة في التفتح والتكشُّف. فقبل أن نسأل: ما العنف؟ وما جذوره؟، ينبغي أن نتساءل: هل العنف ظاهرة واحدة، بحيث يحق لنا أن نتحدث عن معنى واحد لها، ومن ثم عن جذر واحد لها؟ فليس العنف المتمثل في الإرهاب باسم الدين (الذي يبلغ حد القتل والذبح) المهيمن على المشهد الراهن، هو الشكل الوحيد للعنف. فهناك العنف السياسي الذي طالما تمثل عبر التاريخ في الحروب المريرة التي تجلب القتل والدمار، وإن كان عصرنا الراهن يميل فيه الأقوياء (أعني الدول العظمى) إلى ممارسة الهيمنة والسيطرة من خلال العنف الناعم، وأنا أعني بهذا المصطلح التعبير عن القوة التي تسعى بنزوع فطري أو طبيعي إلى الهيمنة والعدوان على كل ما يقع في نطاق نفوذها. إنني أستخدم الكلمات الآن بحساب دقيق، لأن كلامي هذا يبدو مستمدًا من عالم الطبيعة، ومن ثم ينبغي أن نستخدمه بحساب حينما نريد أن نمد نطاقه إلى عالم الإنسان الذي يسعى فيه البشر نحو القوة بغرض التملك والسيطرة والهيمنة، وغير ذلك مما هو مفطور في النفس، حتى إن أدى ذلك إلى استخدام العنف والعدوان على الآخر. ولكننا نلاحظ أن قوى العالم الراهن تميل إلى إشباع هذه الغريزة المتأصلة في الوجود الإنساني باستخدام العنف من خلال أشكال وأدوات مختلفة من القوة الناعمة (وهذا هو المعنى الدقيق للعنف الناعم)، ولذلك باتت الحروب الآن تسعى إلى التدمير بتقويض الدول من الداخل من خلال إثارة الفتن والقلائل فيها أو السيطرة عليها من خلال أذرع العولمة الطويلة على المستويين الاقتصادي والثقافي، على نحو يسهم بقوة في طمس هويات وخصوصيات الشعوب الأضعف لمصلحة الغازي الذي يسعى إلى الهيمنة.

ولا شك أن هناك أشكالاً أخرى من العنف، فهناك العنف الاجتماعي (ومنه العنف الأسري الموجَّه ضد المرأة)، والعنف المجتمعي- بوجه عام- الموجه ضد الأطفال، خاصةً في الدول المتخلفة المسمَّاة بدول العالم الثالث. فبأي حق إذن نتحدث عن «العنف»، كما لو كان ظاهرة واحدة؟ إن هذا لا يكون ممكناً إلا بمعنى واحد هو أن هذه الظواهر- على تعددها واختلافها- بينها قاسم مشترك هو معنى العنف نفسه الذي يتجلى فيها جميعاً. وهذا يستدعي السؤال من جديد: ما العنف؟! هل يمكن أن نتحدث عن العنف كما لو كان له معنى واحد؟ إننا لو تأملنا الأمر بعمق، لوجدنا أن المعنى الكامن في كل عنف هو استخدام القوة بغرض الهيمنة على كل ما يقع في نطاق نفوذها أو تأثيرها. وربما يبدو هذا التعريف بالغ العمومية، وكأنه يسعى إلى أن يكون شاملاً لعالم الطبيعة ولعالم الإنسان. فأين تقع جذور هذا العنف؟

المسألة كلها عندي تكمن في الوعي الذي ترتبط تجلياته ارتباطًا وثيقًا، ومنها: الوعي الديني والسياسي والتاريخي والجمالي والعلمي، وغير ذلك. وحينما نتأمل الأمر عن كثب، سنجد أن الفكر الفلسفي العام يسهم بشكل قوي في تشكيل هذا الوعي. إن الافتقار إلى هذا الوعي هو الجذر الأساسي المسؤول عن العنف في سائر تجلياته. وهنا ينبغي أن نلاحظ أمرين مهمين: الأمر الأول هو أن الفلسفة ليست مسؤولة وحدها عن تشكيل هذا الوعي، حتى إذا فهمنا الفلسفة في صورتها العامة باعتبارها الفكر السائد في ثقافة مجتمع ما. إذ يسهم في تشكيل هذا الوعي بشكل أساسي التعليم والإعلام وشروط تحقق نهضة الثقافة السائدة في المجتمع، وهي شروط تخضع لوجود نظام ليبرالي يشجع على حرية الفكر والإبداع ويدعمه. ومع ذلك، يظل التعليم هو الجذر الأساس، فعليه تتوقف سائر تجليات الوعي، فلا علم من دون تعليم، ولا فلسفة من دون تعليم فلسفي حقيقي. بل يمكن القول بأن الفلسفة لا تمارس دورها الفاعل في تشكيل الوعي إلا في فترات ازدهار الحضارات، ذلك أن الفلسفة تتأسس على إنجازات الحضارة في العلوم والمعارف والفنون، ففلسفة العلم تشتغل على العلم، وفلسفة الفن تشتغل على الفن. الوعي إذن يرتبط بالحضارة. والأمر الثاني الذي ينبغي أن نلاحظه هو أن ظواهر أو تجليات الوعي ترتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، ولذلك يصعب أن نجد تطورًا في الوعي العلمي في حضارة ما دون أن يكون مصاحبًا لتطور آخر في الوعي الديني أو الجمالي على سبيل المثال.

غياب الوعي الديني ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف