• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

أميركا حائرة بين التحديث الاقتصادي والإصلاح السياسي

جولة أوباما الآسيوية.. وتراجع خطاب الديمقراطية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 28 أبريل 2014

جولييت إيلبرين

ماليزيا

تضغط الانقسامات العميقة في النظام السياسي الماليزي على الرئيس أوباما، مما يجعله أكثر تحفظاً وأقل وضوحاً في استراتيجيته تجاه آسيا. ولعل ما يجسد هذا الغموض، كيفية تجديد الولايات المتحدة اهتمامها بالمنطقة والتركيز عليها في سياستها الخارجية، وفي نفس الوقت عدم الوقوف كثيراً عند حقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية. فمع أن أوباما تطرق لموضوع الديمقراطية في آسيا خلال زيارته التاريخية لبورما عام 2012، فإنها توارت عن الأنظار قياساً لما تعتبره واشنطن قضايا ملحة، مثل التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني. لكن مع ذلك يكتسي موضوع حقوق الإنسان قدراً كبيراً من الحيوية بالنسبة للإدارة الأميركية، ويظل مركزياً في تعاملها مع دول جنوب شرق آسيا، لاسيما أن عدداً منها يسعى حالياً، بعد ما حققه من إنجازات اقتصادية معتبرة، للانتقال الديمقراطي، مع ما يصاحب ذلك من صعوبات، وأحياناً تراجعات.

وفيما يسعى أوباما إلى تعزيز علاقته بماليزيا ذات الأغلبية المسلمة المعروفة بميولها التقليدية نحو الصين أكثر منها نحو الولايات المتحدة، فإنه يجد نفسه في وضع يتعين عليه من خلاله الحفاظ على التوازن الدقيق والصعب بين إشادته بحكومة رئيس الوزراء نجيب رزاق، وبين إشارته إلى لجوء الحكومة للنظام القضائي بغية تهميش حلفائها السياسيين والحد من حرية التعبير والإعلام. هذا الأمر يعبر عنه «أمبيجا سرينيفاسان»، أحد النشطاء المدافعين عن إصلاح النظام الانتخابي في ماليزيا، قائلا: «نريد من أوباما أن يرى البلاد على حقيقتها، فلو أسرف في الحديث عن التقدم الديمقراطي والتحديث، سيكون قد أضعف عملنا كنشطاء، وشجع الحكومة على مواصلة تضييقها على حرية التعبير».

وكان مساعدو أوباما قد روجوا للقاء الذي دار بين الرئيس ومنظمات المجتمع المدني الماليزية، يوم الأحد، باعتباره نموذجاً للطريقة التي يعتزم بها أوباما تسخير زيارته لآسيا للدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز القيم الأميركية. وعن موضوع الحريات والديمقراطية وإشارة واشنطن إلى بعضها، يقول «بن روديس»، نائب مستشارة الأمن القومي الأميركي: «نحن بالطبع لدينا انشغالات بشأن القيود التي تطال المجتمع المدني، لذا لن نكتفي في زيارتنا لماليزيا بإثارة هذه القضايا، بل سنسمع مباشرة من نشطاء المجتمع المدني ونصغي إلى ملاحظاتهم». لكن العديد من الماليزيين تساءلوا عن سبب عدم لقاء أوباما بزعيم المعارضة الماليزية أنور إبراهيم، الذي أدين مؤخراً للمرة الثانية في مشواره السياسي بموجب قانون ضد الشذوذ يعود إلى الفترة الاستعمارية. وإن كان مساعدو أوباما قد أكدوا لقاء إبراهيم بمستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، فقد سعوا إلى الدفاع عن قرار الرئيس بعدم الاجتماع بزعيم المعارضة الماليزية، حيث قال بن رودس: «عادة لا يلتقي أوباما بزعماء المعارضة عندما يزور دولا أخرى، لكن ذلك لا يعني أنه لن يتحدث عن موضوع حقوق الإنسان والحريات». ومن جهته نفى رئيس الوزراء الماليزي، نجيب رزاق، أي ضغط قد يكون مارسه على أوباما لثنيه عن لقاء إبراهيم، قائلا: «أوباما هو رئيس لأكبر قوة عالمية، فكيف لي أن أضغط عليه. ماليزيا بلد صغير لا يمكنه القيام بذلك».

لكن هذه التبريرات لم تمنع الباحث في مركز ويلسون، «مارفين أوت»، من الاعتراف بأن مواضيع الديمقراطية وحقوق الإنسان ما عادت «تظهر كثيراً في أجندة السياسة الخارجية الأميركية بنفس القدر الذي كانت عليه في السابق»، والسبب، يضيف الباحث، أن حلفاء أميركا لا يعجبهم «أن تلقنهم واشنطن المعايير الديمقراطية التي يجب عليهم التقيد بها، فكل مرة تتحدث فيها أميركا عن هذا الأمر ينزعج الناس. ولا أعتقد أن البيت الأبيض يريد في هذه الرحلة إزعاج حلفائه الآسيويين». وبدلا من ذلك اعتمدت الولايات المتحدة في حملتها التواصلية مع آسيا على الجانب الثقافي والعلاقات المباشرة بين الشعوب، سواء من خلال برامج تبادل الطلبة أو عبر فعاليات تجمع أوباما بالقادة الشباب في المجالات المختلفة. فمثلا ألقى أوباما يوم الخميس الماضي خطاباً على مجموعة من الطلبة اليابانيين في متحف العلوم والتكنولوجيا بطوكيو، معلناً عن مبادرته بجلب عدد أكبر من الطلبة اليابانيين للدراسة في الولايات المتحدة. وفي كوالالمبور عقد أوباما، الأحد، اجتماعاً مع قادة شباب ينحدرون من عشر دول بجنوب شرق آسيا. ورغم إصراره في حوار أجراه خلال زيارته الآسيوية مع صحيفة ماليزية على ضرورة احترام المعايير الديمقراطية ودعم حرية التعبير، فإن العديد من النشطاء الماليزيين، ومعهم بعض الخبراء الأكاديميين، أكدوا أنه يتعين الضغط أكثر على النظام الحاكم في ماليزيا والذي ظل في السلطة منذ عام 1957.وفي هذا السياق، قال أندرو كو، رئيس لجنة حقوق الإنسان في ماليزيا، إنه عندما أعيد انتخاب نجيب رزاق رئيساً للحكومة في مايو 2013، أصدر البيت الأبيض بياناً جاء فيه: «يريد استمرار التعاون بين البلدين والاستمرار في تعزيز الديمقراطية والسلام والازدهار في المنطقة»، وذلك رغم التجاوزات الكثيرة التي رافقت العملية الانتخابية التي يضيف الناشط أنه «لم يُفتح بشأنها أي تحقيق». ولا يقتصر الأمر على ماليزيا، بل يشمل بلداناً أخرى في المنطقة يعتزم أوباما زيارتها، مثل الفلبين، التي عاشت في الآونة الأخيرة على وقع إعدامات قام بها الجيش وميلشيات مسلحة خارج نطاق القانون، بالإضافة إلى استهداف الصحفيين. ويظل الأمر أسوأ في بورما التي زارها دانيال راسل، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ، وحذّر رئيسها من أن الهجمات الأخيرة التي تطال الأقلية المسلمة قد تقوض العلاقة مع الولايات المتحدة.

ولخص الباحث البارز في معهد بروكيجنز، جوناثان بولاك، الحيرة التي تواجهها أميركا في علاقتها مع دول جنوب شرق آسيا، قائلا: «على أوباما اليوم التوفيق بين مطلب نسج علاقات وثيقة مع الدول الآسيوية وبين الحاجة إلى محاسبتها والتشديد على انتقالها من مرحلة التحديث الاقتصادي المتسارع إلى الديمقراطية الحقيقية والإصلاحات السياسة، التي بدونها لن تستمر الإنجازات الاقتصادية».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا