• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

العديد من المراقبين ينظرون إلى العقد الماضي باعتباره «استقلالاً ثانياً» لأميركا اللاتينية التي خرجت من المظلة الأميركية واستعادت قرارها

انفتاح تاريخي على أميركا اللاتينية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 أبريل 2015

عندما مد أوباما يده ليصافح الرئيس الكوبي راؤول كاسترو على هامش قمة الأميركيتين في بنما السبت الماضي، لم يكن الانفتاح موجهاً لرجل واحد، وأمة واحدة، بل كان المستهدف مجمل أميركا اللاتينية، فعلى مدى العقد الماضي باتت واشنطن متوجسة من «خسارة أميركا اللاتينية»، لتأتي الخطوة الأخيرة تجاهها كإقرار بفقدان الولايات المتحدة لنفوذها التقليدي في أميركا اللاتينية ودعوة لوقف النزيف واسترجاع المكانة، فالبلدان التي كانت في السابق تأتمر بالتعليمات الأميركية كنتيجة لتدخل واشنطن باتت اليوم أقل استجابة لأميركا بدليل إلغاء الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف لعشاء كان مبرمجاً في البيت الأبيض خلال 2013 دون أن يرف لها جفن، ما يعني أن خطوة أوباما يوم السبت الماضي بمصافحة راؤول كاسترو كانت بمثابة الرسالة الموجهة لأميركا الجنوبية بنسيان الماضي وبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الأميركيتين، لكن هذه الدعوة ورغم أهميتها لا يبدو أنها كافية لإقناع أميركا اللاتينية، فما هو أهم من الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع المنطقة هو نظرتها العميقة لها ومدى تغيرها.

فلعقود طويلة ظلت العلاقات الأميركية- الكوبية محكاً أساسياً للنظرة الأميركية تجاه جيرانها في الجنوب، لا سيما وأن كوبا كانت دائماً البلد الذي ينظر إليه في أميركا اللاتينية بإعجاب واضح كونه الوحيد الذي تجرأ على تحدي الولايات المتحدة، وهو ما جعله عرضه للحصار والعقاب، وكان إصرار أميركا طيلة الفترة السابقة على عزل كوبا دولياً جزءاً من المدى، الذي تستطيع الولايات المتحدة الذهاب إليه للسيطرة على حديقتها الخلفية وضمان عدم تمردها، وفي جزء منه ظلت كوبا عبرة لمن يريد اتباع نهجها في المنطقة، هذا الأمر أدركه أوباما في لقائه مع «راؤول» يوم السبت الماضي في بنما، متحدثاً عن الثقل العاطفي الذي تنطوي عليه العلاقات الكوبية الأميركية في عموم المنطقة، قائلاً : «أنا متفائل بأننا سنواصل إحراز تقدم في العلاقات الثنائية، وهو قد يكون منعطفاً حاسماً» ليس فقط بالنسبة لكوبا، بل للمنطقة ككل. لكن رغم هذه التصريحات الإيجابية هناك شبه قناعة لدى قادة أميركا اللاتينية بأن تغيير أميركا لسياستها نابع من بحثها عن المصلحة وليس لأسباب مبدئية.

فلا شك أن كوبا تمثل فرصة استثمارية واعدة للشركات الأميركية المتطلعة للعودة إلى الجزيرة، وهو ما بدأ يظهر جلياً لدى بعض الشركات، لكن السؤال المفتوح هو مدى استعداد أميركا لقبول قادة المنطقة من اليسار بسياساتهم، التي لا تتفق دائماً مع أميركا، لا سيما وأن العديد من المراقبين، ينظرون إلى العقد الماضي باعتباره «استقلالاً ثانياً» لأميركا اللاتينية، التي خرجت من المظلة الأميركية واستعادت قرارها السياسي والاقتصادي.

وإلى الآن ليس معروفاً الموقف الأميركي حتى في ظل الإيجابية التي تنطوي عليها خطوة أوباما الأخيرة، حيث قال خلال لقائه راؤول «يمكننا الاختلاف لكن ضمن روح الاحترام واللياقة ومع مرور الوقت قد يكون من الممكن جداً طي صفحة الماضي»، غير أن هذا الكلام المشجع لا يخفي بعض التوجس، حيث يرى قادة أميركا اللاتينية في العقوبات الجديدة لواشنطن على فنزويلا عودة للسياسات القديمة، ورغم تورط الحكومة الفنزويلية في قمع المظاهرات المناوئة لها وسقوط ضحايا في تلك الاحتجاجات ما برر العقوبات الأميركية، إلا أن أحداً في أميركا الجنوبية لم يدعم العقوبات الأميركية، وفيما عولت أميركا على انفتاحها المستجد على كوبا كمحطة أولى لخلق ما يكفي من الزخم في المنطقة وكسب تأييد باقي دول أميركا اللاتينية، إلا أن قادة المنطقة ينظرون إلى العقوبات على فنزويلا كمناورة أميركية أخرى لإطاحة بنظام لا يوافقها واستبداله بآخر أكثر انسجاماً مع سياساتها.

المفارقة أن نفوذ الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية هائل ومرشح للاستمرار بصرف النظر عما تقوم به واشنطن، فمن بين 17 بلداً في أميركا اللاتينية 13 منهم يصدرون لأميركا أكثر من أي بلد آخر.

مارك سبينفيلد*

*كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا