• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

تفكيك الميتافيزيقا عند جاك دريدا

استراتيجية التقويض

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 أبريل 2015

عبد السلام بنعبد العالي

لا نقول: «نقد الميتافيزيقا»، فالأمر لا يتعلق هنا بما اعتدنا أن نسميه نقدا، ذلك أن التفكيك يطال مفهوم النقد ذاته. من أهم المآخذ التي يأخذها دريدا على النقد المتداول كونه ظل عند معظم الممارسين له نقداً «خارجياً» يدّعي أن باستطاعته تفسير النصوص وتأويلها، بل ومحاكمتها، بردها إلى الشرائط الخارجية التي توجد من «ورائها». يتساوى في هذا النقد «الفكري» والنقد الأدبي أو الفني.

وقفَ دريدا عند مفهوم «الخارج» هذا فرأى أن التمييز الأوّلي بين الخارج والداخل لا يخلو من نفحة وضعية. بل إنه التمييز الذي كرسته الميتافيزيقا الغربية عبر تاريخها. وهذا بالمعنى العام للفظ الميتافيزيقا وليس من حيث هي فرع من فروع الفلسفة، وإنما من حيث هي حياة تحاول فيها مجموعة من القيم أن تؤكد ذاتها مهما اختلفت الحقول. لذا فإن التفكيك لا يكتفي بأن يتعقب مختلف الثنائيات الميتافيزيقية في تاريخ الفلسفة، وإنما يتعرض لها في اللسانيات(الكلام والكتابة)، والتحليل النفسي (العقل والجنون)، والأدب (الحقيقة والمجاز)... 

ثنائية الخارج/ الداخل

يبدأ التفكيك بأن ينصبَّ على الثنائي خارج/ داخل. يعتقد دريدا أن الخارج «الممكن» لا يمكن أن يقوم إلا «داخل» كل نص. ولا يكفي «تفسير» النصوص بردها إلى عوامل «خارجة» عنها. من هنا تحُل المقابلة بين الهامش والمركز محل التقابل الوضعي بين الداخل والخارج. شريطة إعادة النظر في المعنى «المكاني» الذي كان يُعطى لمفهوم الهامش. فالهامش ليس هو ما يوجد «خارجاً»، وإنما هو النقطة التي تتخلخل عندها المركزية. الهامش بؤرة استراتيجية، وليس موقعا مكانيا. ذلك أن كل نص ينطوي على قوى عمل هي في الوقت ذاته قوى تفكيك للنص. وما يهم التفكيك هو الإقامة في البنية غير المتجانسة للنص، والوقوف على توترات (لا نقول تناقضات) داخلية يقرأ النص من خلالها نفسه ويفكك ذاته، في النص قوى متنافرة تأتي لتقويضه يكون على استراتيجية التفكيك أن تعمل على إبرازها. فكأن المفكِّك ليس هو عين القارئ الخارجية التي تمتلك مفاتيح فك ألغاز النصوص، وردها إلى محدداتها، والتمكن من أسرارها. فليس النص مفعولا لذات تمتلك القدرة على «التأليف» والتوليف والفهم والتأويل. ذلك أنّ النصّ، كما يدل على ذلك اشتقاق اللفظ الفرنسي texte، نسيج عنكبوتي، وهو لا يكون نصّا إلا إذا أخفى عن النظرة الأولى «قانون تركيبه وقاعدة لعبته، وهو يظل لامدركا على الدوام»، غير أن هذا التحجّب لا يعود لنقص في قدرات قارئ، ولا لـ «تعقد» لغوي، وإنما هو محاكي للنص بما هو كذلك.

من هذا المنظور تتساوى كل النصوص. فليست هناك نصوص صعبة عسيرة الفهم، وأخرى في المتناول، وليست هناك نصوص أكثر «يسارية» من غيرها. بل إن دريدا يذهب عكس ذلك تماما. فهو يحاول أن «يخلق» الصعوبة حتى في النصوص التي تبدو «في المتناول»، كما أنه يسعى إلى الكشف عن اليمين في كل نص «يساري»، هذا إذا سلمنا بمعنى لهذا الثنائي في فكره. وعلى أية حال فإن «ضحاياه» الكبار لم يكونوا من «اليمين» الفلسفي والأدبي التقليديين، وهو لم «يفكك» نصوص برانشڤيك أو آرون، وإنما آرطو ويابيس ولاكان وباتاي وليڤي-ستروس وليڤيناس، بل وفوكو.

وربما كانت التفرقة ذاتها بين يمين ويسار غير ذات شأن كبير في إطار فكر دريدا. فالتفكيك لا يكاد يفاضل بين النصوص. وعلى أيّة حال فلا يتعلق الأمر مطلقا بتفكيك نصوص «يمينية» من موقع يساري، أو نصوص «رجعية» من موقع تقدمي، أو نصوص تقليدية من موقع حداثي، أو نصوص علمية من موقع فنيّ، أو نصوص إيديولوجية من موقع فلسفي. إن استراتيجية التفكيك لا تتبنى التصنيف التقليدي للأجناس، وهي لا تفاضل بين النصوص. بل إنها تنصبّ على ذاتها. وهذه صفة من الصفات التي تقرّب دريدا من هايدجر، وتجعل «التفكيك» يضاهي «التقويض» الهايدجري. فكلاهما لا يرحم حتى نفسه. يتساءل هايدجر في كتابه عن كانط: «ألا يتستر مجهودنا نحن كذلك وراء أشياء لا ندركها». نحن في سياق فكري يتسم أساسا بافتراض خداع ملازم، وسوء تفاهم أصلي، يجعل الفكر فاقدا الثقة حتى بنفسه. من هذا المنظور يمكن اعتبار التفكيك سليل «فلسفات التوجس» التي طبعت القرن السابق، والتي تضم، حسب ريكور، كلا من ماركس ونيتشه وفرويد. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف