• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

قال إن النور سيأتي من الغرب

هل انتصر داريوش شايغان؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 أبريل 2015

هاشم صالح

عندما شاهدت فرحة الإيرانيين والإيرانيات في شوارع طهران كرد فعل عفوي على الاتفاق النووي بل وكانفجار شعبي عارم أحسست وكأن داريوش شايغان قد انتصر في نهاية المطاف على الأصولية الإخوانية في نسختها الشيعية الإيرانية. ربما كنت أبالغ قليلا ولكن هذا هو احساسي الأولي. ومعلوم أنه أشهر مفكر ايراني في الوقت الحاضر. وكان قد نفى نفسه طوعا احتجاجا على وصول الخميني الى السلطة عام 1979. ولم يعد الى مسقط رأسه في زيارة خاصة الا بعد أحد عشر عاما. كانت هذه هي طريقته في الرد على الثورة الخمينية الكهنوتية.

لا يؤمن شايغان بثورة دينية ترجع بنا الى الخلف وانما بثورة تنويرية تقذف بنا الى الأمام. انه يعمل من أجل اسلام عقلاني مختلف عن الإسلام المذهبي القديم الراسخ الجذور. ولذا فلم يضع وقته في باريس عبثا. فقد استغل حياة المنفى وحريات باريس لكي يؤلف بعضا من أفضل الكتب التي ألفها مثقف مسلم في هذا العصر. ولو أنه عاد الى طهران في تلك الظروف الهيجانية الملتهبة لما استطاع أن يفتح فمه مجرد فتح. فالشارع كان محتلاً كلياً من قبل الهتافات الثورية والشعارات الديماغوجية المعادية ليس فقط للغرب السياسي وانما أيضا للغرب الفكري والثقافي والحضاري. وهي شعارات مهترئة عانينا منها نحن في العالم العربي زمنا طويلا وأخرت نهضتنا الكبرى واقلاعنا الحضاري عشرات السنوات. بل ولا نزال نعاني منها حتى اللحظة. فالنظام القديم للفكر في العالم العربي - أقصد النظام المؤدلج العقيم - لا يزال سائدا وان كان قد فقد مصداقيته الى حد كبير.

ثورة معاكسة

من بين الكتب التي ألفها داريوش شايغان في تلك الفترة نذكر أولا كتابه الشهير: «ما معنى ثورة دينية»؟ هل هناك شيء اسمه ثورة دينية؟ ألا يوجد هنا تناقض في المصطلح؟ فالثورة تكون عادة انقلابا على التقاليد الدينية والطائفية العتيقة لا عودة اليها. هذا ما علمتنا اياه الثورة الفرنسية مثلا. فقد أطاحت بالأصولية الكاثوليكية البابوية وركعتها. وبالتالي فثورة الخميني ليست ثورة في الواقع وانما انتكاسة الى الخلف. أو قل انها كانت عملاقة سياسيا وقزمة فكريا. لماذا؟ لأنه لم يرافقها أي تجديد فكري أو تنوير عقلي للتراث الاسلامي في نسخته الشيعية. وهذا على عكس الثورة الفرنسية التي سبقها ورافقها تنوير هائل للفكر المسيحي في نسخته الكاثوليكية. هنا تكمن المشكلة الأساسية للثورة الإيرانية وللانتفاضات العربية ككل. لا ريب في أن عدائية الشاه الفجة تجاه تراث شعبه وكذلك طغيانه ومخابراته المرعبة ساعدت كثيرا على انتصار الثورة الدينية الإيرانية. في ذلك الوقت كان هناك تعطش كبير الى الهوية والالتحام بالجذور. ولولا ذلك لما نجح الخميني. ولكن الآن وبعد مرور سنوات طويلة على هذه الثورة فإن الشعب الإيراني يكاد يختنق. انه يطمح الآن الى ثورة معاكسة إاعادة التوازن: أي ثورة علمانية تنويرية تحريرية. لقد شبع من الأصولية والأصوليين. انه يريد العودة الى الغرب والحداثة والحرية. انه متعطش للانفتاح على العالم. وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ كما يقول هيغل. بمعنى: لكي يقتنع الشعب الايراني بضرورة التنوير كان ينبغي أن يمر بالحكم الديني الثيوقراطي ويكتوي بحر ناره على مدار أربعين سنة متواصلة.

ما أقوله هنا عن الثورة الإيرانية ينطبق أيضا وبشكل شبه حرفي على ما يدعى بثورات «الربيع العربي». بل وينطبق أيضا على تركيا المحكومة اخوانيا أيضا. كل العالم الاسلامي مدعو الى القيام بالثورة الحداثية يوما ما. فهي التي ستحل مشاكله وليس الانكفاء على الماضي. هذا ما نستشفه من مؤلفات داريوش شايغان المتتابعة.

بالإضافة الى الكتاب السابق كان قد أصدر مجموعة كتب هامة نذكر من بينها: «النظرة المبتورة أو الشيزوفرينيا الثقافية: البلدان التراثية في مواجهة الحداثة». وفيه يقول لنا إن الأصولية الإيرانية المعاصرة وبقية الأصوليات تقدم نفسها كبديل عن النموذج الغربي. انها ترفض فكرة الحداثة وتحارب الغرب بكل ضراوة من جهة. ولكنها من جهة أخرى تبدو مسحورة بهذا الغرب الذي تمقته وتحاربه. من هنا الانفصام السيكولوجي (الشيزوفرينيا) الذي أصيبت به النخب الاسلامية الإيرانية والعربية والتركية الخ... فهي مسحورة بالمختراعات التكنولوجية للغرب ولا تتردد عن أخذها وتبنيها واستخدامها بكل براعة. ولكنها ترفض الأفكار التجديدية والفلسفات العقلانية التي أدت اليها. هذه المعضلة المحيرة لايزال التيار الاسلامي يتخبط فيها حتى الآن. ولكن «النور سيأتي من الغرب» كما قال شايغان في كتاب آخر شهير. وهذه المرة لن نأخذ منه قشوره فقط وانما جوهره العميق. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف