• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

مجداف الإخوان.. وقارب إيران (1 - 3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 09 أغسطس 2016

كانت الدنيا من حوله مشتعلة فالراجمات تقذف حممها من خلفه وبزاوية حادة مما يعني وحسب فهمه الغريزي البسيط وخبرته الطويلة أن العدو كان قريباً من موضعهم الشقي فوق تلك التلال الصخرية الوعرة الممتدة في واحدة من الجبهات في قاطع العمليات الجنوبي إبان الحرب ضد إيران، حيث كان يحتمي ويتمترس مع رفاقه من الجنود وأصوات القذائف تدوي من حولهم تصم الآذان وأزيز الرصاص وشظايا القنابل من المدافع والهاونات تمر من بينهم ومن فوق رؤسهم وفي كل الاتجاهات وسحب الدخان تحجب الرؤية في بعض الأحيان وكان القصف متبادلاً ومن كلا الجانبين وبشراسة وقوة وتصميم وكان يسقط من حوله البعض من رفاقه بين قتيل وجريح، كانوا كخلية نحل يدافعون عن موقعهم ويداوون جرحاهم وبنفس الهمة والنشاط، كان ذلك في أواسط الثمانينات وكان شتاءً قارساً والدنيا ماطرة وغمرت مياه الأمطار مواضعهم وبلل المطر ملابسهم الثقيلة ومعاطفهم ولكن طعامهم لم يتأثر فلديهم ما يكفي من الأرزاق الجافة والمعلبة والخاصة بجبهات القتال، وظل متشبثاً ورفاقه بمواقعهم المختلفة والمنتشرة والمتعددة مستميتين في الدفاع عنها لأنها سبيلهم الوحيد للبقاء على قيد الحياة والنجاة أو الموت والشهادة دون الأسر، فالأسرى عند عدوهم لا يلقون معاملة إنسانية والموت أهون منها ألف مرة وطافت بباله مشاهد البعض من رفاقه الذين وقعوا في الأسر في معركة سابقة وحين القوهم على وجوههم على الأرض كالنيام ومشت فوقهم الدبابات وسحقتهم وهم أحياء.

كان العدو يزحف نحوهم بالمئات أمواجاً بشرية اثر أمواج وكان الموت يحصد أمواجهم المتتابعة وبمختلف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة فكل صنوف الأسلحة استخدمت لوقف هذا المد البشري المستميت للوصول نحو مواقعهم في تلك التلال من خلال ذلك انتحارهم الجماعي الأهوج والأرعن من دون وعي ولا تخطيط أو تنظيم، وكانت أصواتهم تعلوا بنبرات التكبير «وأسماء أخرى نعلمها ونميزها جيداً» وكأنها سبيلهم نحو النجاة والنصر والخلاص، وحينما دكت كل مواقعهم الخلفية وطرق إمدادهم وإسنادهم وخلال ساعات امتدت موصولة من بعد عصر ذاك اليوم وحتى فجر اليوم التالي هدأت الأرض والسماء، ولكن المطر ما زال منهمراً وكأن السماء تبكي على القتلى وتغسل جراح المصابين.

مؤيد رشيد - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا