• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

العبرة ليست في تشديد آليات الرقابة على البرنامج النووي الإيراني لضمان طابعه السلمي، بل في صياغة خطة واضحة للتعامل معها في حالة الغش.

اتفاق إيران النووي ودرس كوريا الشمالية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 15 أبريل 2015

يمثل دفاع أوباما عن الاتفاق النووي المحتمل والناشئ مع إيران باعتباره «فرصة العمر»، إحالة غير موفقة بالنسبة لمنتقديه لاتفاق آخر اعتبر مفصلياً لكنه أخفق في كبح البرنامج النووي الكوري الشمالي. فقد حاجج رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وغيره من معارضي الاتفاق النووي مع إيران بسابقة المعاهدة الموقعة مع كوريا الشمالية، التي لم تصمد طويلا، ما يعني في نظرهم أن تكرار المحاولة مع إيران ستنتهي إلى المصير ذاته. غير أنه بالنسبة لهؤلاء منا الذين كانوا ضمن الفريق المفاوض مع كوريا الشمالية يعرفون أن الدروس والعبر المهمة للتجربة الكورية الشمالية عليها ألا تكون تبريراً لرفض الاتفاق مع إيران، فبعد أن واجهت إدارة كلينتون احتمالات اكتساب كوريا الشمالية، بمواقفها العدائية المعروفة، للسلاح النووي انخرطت الإدارة عام 1994 في محاولة للتوصل إلى اتفاق مع بيونجيانج ينهي برنامجها لتطوير الأسلحة النووية مقابل تقديم مساعدات في مجال الطاقة ورفع العقوبات الاقتصادية وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن ما حصل أنه في أواخر التسعينيات انهار الاتفاق بعدما كشفت أميركا انتهاك كوريا الشمالية لبنوده، والنتيجة أن كوريا الشمالية اليوم باتت قادرة، كما أوضح نتنياهو في معرض رفضه للاتفاق مع إيران، على إنتاج مائة سلاح نووي على مدى السنوات الخمس المقبلة.

لكن من المهم التذكير أنه في الوقت الذي فشلت فيه السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية، إلا أن الاتفاق نفسه لم يخفق، إذ من دون معاهدة 1994 كانت كوريا الشمالية ستطور قنبلتها النووية قبل اليوم بكثير، وكان بإمكانها تخزين الأسلحة بسرعة أكبر وجمع ترسانة هائلة، وليس أدل على ذلك من تقديرات الاستخبارات الأميركية التي خلصت إلى أن برنامج بيونج يانج النووي كان متطوراً في التسعينيات لدرجة أنه قادر على إنتاج 30 قنبلة نووية بحجم تلك التي استخدمت في نجازاكي، ولحسن الحظ وبفضل الاتفاق لم تستطع كوريا الشمالية تحقيق ذلك حتى بعد مرور عشرين عاماً.

وإذا كان انهيار اتفاق كوريا الشمالية يُستغل اليوم كذريعة للقول باستحالة العمل الدبلوماسي مع الدول المارقة، يبقى المحك الحقيقي لأي اتفاق هو مدى خدمته للمصالح القومية الأميركية، وما إذا كانت هذه الأخيرة ستكون أفضل حالاً في ظل اتفاق، أم لا، بل ما إذا كان الاتفاق أفضل من العمل العسكري.

وبمعنى آخر أنه من الدروس المستفادة من تجربة كوريا الشمالية أنه على الولايات المتحدة وشركائها تفادي ما أمكن عقلية «حل المشكلة» التي تعقب عادة التوقيع على الاتفاقات، فقد استبدت هذه العقلية بكبار المسؤولين الأميركيين في عام 1994، ليطمئنوا للاتفاق، وينتقلوا إلى تحديات أخرى في السياسة الخارجية دون متابعة دقيقة لمخرجاته، فكان أن تقاعست الولايات المتحدة عن تطبيق التحفيزات التي تعهدت بها لكوريا الشمالية مقابل ضبط برنامجها النووي والمتمثلة في تحسين العلاقات السياسية ورفع العقوبات الاقتصادية، وإذا كان هذا الأمر لا يعفي كوريا الشمالية من مسؤوليتها، إلا أن الدرس هو ضرورة المتابعة الدائمة لبنود الاتفاق والسهر على تنفيذها.

أما الدرس الآخر المستخلص من تجربة كوريا الشمالية فيتمثل في عدم استبعاد المسؤولين الأميركيين لاحتمال انتهاك إيران للاتفاق، فالعبرة ليست في تشديد آليات الرقابة على البرنامج النووي الإيراني لضمان طابعه السلمي، بل في صياغة خطة واضحة للتعامل معها في حالة الغش، وهو ما حصل مع كوريا الشمالية، بحيث عندما واجهت إدارة بوش في 2002 كوريا الشمالية انسحبت هذه الأخيرة من الاتفاقية وأعادت إطلاق برنامجها النووي، وبالنسبة لإيران نحتاج لتلافي هذا الأمر إقامة آلية لحل الإشكالات والنزاعات المحتمل نشوؤها، وأيضاً خطة لمواكبة الجوانب السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية للاتفاق.

وأخيراً علينا أن نعرف جيداً أنه من دون تغيير إيجابي في العلاقات السياسية بين إيران والولايات المتحدة، يبقى احتمال فشل الاتفاق كبيراً، فرغم تأكيد نص الاتفاق مع كوريا الشمالية في 1994 على تطوير العلاقات بين البلدين، فإن الاتفاق فشل في إدراك أن أربعة عقود من العداء لا يمكن محوها سريعاً، والأمر نفسه ينطبق على إيران المعروفة بعدائها للمصالح الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا