• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

بريطانيا ستواجه أزمة إذا أغلقت حدودها أمام العمال واقتصادها لن يستطيع توفير رواتب عالية يطلبها المحليون لتعويض المهاجرين

منع المهاجرين.. خسارة لبريطانيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 07 أغسطس 2016

ليونيد بيرشيدسكي *

بمجرد أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيصبح بقاء نحو 590 ألف شخص من مواطني دول الاتحاد الأوروبي الأخرى يعيشون هناك الآن غير قانوني. ومن المرجح أن غالبية الراحلين سيكونون من العمال أصحاب المهارات المنخفضة. وحين يطالب الشعب بكبح الهجرة فإنه عادة يقصد وضع قيود على هذه الفئة من المهاجرين.

وتفسر دراسات قديمة هذا التحيز بأن سببه المنافسة الاقتصادية، لكن هذا لا يشرح سبب أن يفضل أصحاب المهارات المرتفعة من المحليين نظراءهم من المهاجرين الذين يمثلون أيضاً منافسين في بعض أسواق العمل الضيقة إلى حد كبير مثل العمل في المجال الأكاديمي. والناس الذين يشعرون شخصياً بأنهم مهددون لأنهم يعملون في صناعات متدنية أو يعيشون في مناطق فقيرة اقتصادياً، من المرجح أن يرفضوا هجرة أصحاب المهارات المنخفضة. لكن هذا غير صحيح. فقد أظهرت دراسة أجراها عام 2015 ميتي فوجيد من جامعة كوبنهاجن وجيوفاني بيري من جامعة كاليفورنيا أن وصول العمال أصحاب المهارات المنخفضة من الدول الأخرى لا يفاقم البطالة وسط نظرائهم من المحليين، لكنه يدفعهم إلى مزيد من التدريب والحصول على وظائف أفضل.

وهناك ثلاثة تفسيرات أخرى محتملة للعداء تجاه هذه الفئة من المهاجرين في دراسات مختلفة. وأحد هذه التفسيرات يرى أن هذه الفئة من المهاجرين تستنزف برامج الرعاية الاجتماعية في هذه الدول، لكن الواقع أن التأثير السلبي لهؤلاء المهاجرين طفيف. والتفسير الثاني يركز على «الاستحقاق»، أي أن السكان المحليين ينظرون إلى الإقامة في بلدانهم على أنها مكافأة على الإنجاز. وهناك أيضاً التفسير القائم على معيار أن المهاجر صاحب المهارات الأعلى من المرجح أن تكون أوراق اعتماده أفضل ويحصل على عمل أفضل ومن المرجح أنه يتكلم لغة البلد المضيف ويكون أسرع في التكيف. لكننا نعتقد أن تأثير المهاجرين من أصحاب المهارات المنخفضة على المنافسة والبرامج الاجتماعية مبالغ فيه وأن تفسير «الاستحقاق» والتفسير الذي يليه يمثلان تحيزاً غير عقلاني.

والحكومات لا تطرح هذه الأسئلة بل تتصرف بناءً على إجماع الآراء. والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتبنيان إجراءات أسهل لهجرة أصحاب المهارات المرتفعة. وتخفيف الشروط على العاملين في مجال التكنولوجيا بشكل خاص يعتبر مساهماً مهماً في المنافسة. وبريطانيا في فترة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي ستركز سياستها بشأن الهجرة على الأرجح على جذب المبرمجين وطرد السباكين والنادلين. ومغادرة هؤلاء العمال تتفق وسياسة رئيسة الوزراء تريزا ماي حول الهجرة. والمهاجر لا يمكنه البقاء إذا كسب أقل من 35 ألف جنيه استرليني (ما يعادل 46550 دولاراً) في العام، أي بزيادة ثمانية آلاف استرليني من متوسط الرواتب.

وإذا طُبق هذا الشرط على مواطني الاتحاد الأوروبي سيشهد كثير من مواطني المملكة المتحدة ما شهده سكان موسكو في عامي 2014 و2015، حيث أدى انخفاض كبير في أسعار النفط إلى انخفاض في سعر صرف الروبل. وبدأ العمال من أصحاب المهارات المنخفضة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق يغادرون البلاد بأعداد كبيرة. وما حدث بعد ذلك لم يكن كارثة، بل شيئاً مثيراً للانتباه. فقد كان المهاجرون من وسط آسيا يجمعون القمامة ويكنسون الشوارع ويقدمون الطلبات في المطاعم والمقاهي ويعملون في أسواق التجزئة. لكن سكان موسكو ضاقوا بهم ذرعاً وطالبوا الحكومة بضرورة حصولهم على تأشيرات دخول. لكن بعد نقص أعداد هؤلاء المهاجرين من أواسط آسيا، فاضت حاويات القمامة بما فيها من نفايات والساحات تناثرت فيها النفايات. وأصبح هناك شح في عدد العاملين في متاجر التجزئة والمقاهي وظهرت على واجهاتها لافتة «مطلوب عمال»، والزبون أصبح ينتظر فترة أطول حتى تأتيه القهوة.

وهذا لأن المحليين لم يشغلوا الوظائف التي تركها المهاجرون لتدني أجورها. وأصحاب الأعمال لم يكونوا على استعداد لدفع أجور أعلى في ظل حالة من الكساد. ومن حسن طالع سكان موسكو أن روسيا ظلت أفضل حالاً اقتصادياً من الدول المجاورة وظل إجمالي الهجرة الصافية إيجابياً وشغل وافدون جدد معظم الوظائف منخفضة الأجور. وكانت الأزمة هينة نسبياً. لكن بريطانيا أزمتها ستكون أسوأ إذا أصرت على إغلاق حدودها دون هذه الفئة من العمال. وهذا لأن اقتصادها متعثر بالفعل بسبب المخاوف من خروج بريطانيا، ولن يستطيع توفير رواتب عالية يطلبها المحليون لشغل الوظائف التي تركها المهاجرون. والمحليون سيكابدون انخفاضاً في جودة الحياة. وكل مهارات البرمجة في العالم لن تحل محل النادلين والسباكين. ومساهمة هؤلاء التي نادراً ما يجري تقديرها هي شيء ستفتقده هذه المجتمعات حين يجف معين هذه الفئة من المهاجرين.

* كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا