• الاثنين 29 ذي القعدة 1438هـ - 21 أغسطس 2017م

الصحة من أجلّ نعم الله

اللهم إني أسألك اليقين والعفو والعافية في الدنيا والآخرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 يونيو 2017

أحمد محمد (القاهرة)

لما كانت الصحة والعافية من أجلّ نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ اليقين والعفو والْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، هذه الدعوة من جوامع الكلم، حافظ عليها رسول الله، ولم يمل من تكريرها صباح ومساء، وهي تجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فالعفو هو التجاوز عن العبد بغفران ذنوبه وعدم مؤاخذته بما اقترف منها، والعافية هي دفاع الله عن عبده بأن يسلم من الأسقام والبلايا ومن كل مكروه، والستر والأمن والحفظ من تمام العافية في الدنيا والآخرة. يقول العلماء إن النبي قد بدأ بسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة، فهي دعوة جامعة وشاملة والعافية لا يعادلها شيء، طلب من الله محو الذنوب، والوقاية من كل أمر يضر من مصيبة أو بلاء، وطلب الوقاية من أهوال الآخرة وشدائدها، وما فيها من أنواع العقوبات.

ولهذا كانت هذه الدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم، وما تتضمنه من مقاصد عظيمة، في قوله، وأمره وفعله، ولما كانت الآفات والبلايا منها ظاهرة، كأمراض البدن، وعلله الحسية، ومنها باطنة معنوية كآفات القلب، قدم سؤال السلامة في أهم أنواعه، وهو القلب، اللهم إني أسألك اليقين، وهو تمام العلم وكماله، وهو المنافي للشك والريب، فهذا سؤال لأَعلى درجات الإيمان، الذي عليه الفلاح في الدنيا والآخرة.

فإذا رسخ اليقين في القلب، انقطع عن الدنيا، وتعلق بالآخرة، قال سفيان الثوري، لو أن اليقين وقع في القلب، كما ينبغي، لطار اشتياقاً إلى الجنة، وهروباً من النار، وقال ابن حجر، فإذا أيقن القلب، انبعثت الجوارح كلها للقاء الله عز وجل بالأعمال الصالحة.

فسؤاله صلى الله عليه وسلم العافية في الدين، هو طلب الوقاية والسلامة من كل أمر يشين الدين ويخل به، ويخدش في عقيدة المؤمن وتوحيده، من الفتن والضلالات، والشبهات والشهوات من كل أنواعهما، وسؤال الله العافية في الدنيا، هو طلب السلامة والأمان من كل ما يضر العبد في دنياه، من المصائب والمكاره، وسؤال الله العافية في الآخرة، هو طلب النجاة، والوقاية من أهوالها وشدائدها وكرباتها، وما فيها من العقوبات، قال الشوكاني، العافية دفاع الله سبحانه عن العبد، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء بالعافية سبيل الفلاح والنجاح، والفوز بالجنة والنجاة من النار، ولذلك فهو أحب الدعاء إلى الله عز وجل، لشموله لخيري الدنيا والآخرة.

قال ابن الجزري، فلينظر العاقل مقدار هذه الكلمة التي اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن من أعطي العافية فاز بما يرجوه ويحبه قلباً وقالباً وديناً ودنياً، ووقي ما يخافه في الدارين علماً يقيناً.

يقول ابن الجوزي، السعيد من ذل لله وسأل العافية، فإنه لا يوهب العافية على الإطلاق، إذ لابد من بلاء، ولا يزال العاقل يسأل العافية ليتغلب على جمهور أحواله، فيقرب الصبر على يسير البلاء، وفي الجملة ينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا سبيل لمحبوباته خالصة، ففي كل جرعة غصص وفي كل لقمة شجأ، وعلى الحقيقة ما الصبر إلا على الأقدار، وقل أن تجري الأقدار إلا على خلاف مراد النفس، فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر، وتسهيل الأمر، ليذهب زمان البلاء سالماً من شكوى، ثم يستغيث بالله تعالى سائلاً العافية، فأما المتجلد فما عرف الله قط.

قال المناوي، سلوا الله العفو والعافية، أي احذروا سؤال البلاء، فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية، ثم إنه جمع بين عافيتي الدنيا والدين لأن صلاح العبد لا يتم في الدارين إلا بالعفو واليقين، فاليقين يدفع عنه عقوبة الآخرة والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا