• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ألمانيا، ذات الاقتصاد الأضخم في القارة وأكبر منتج للطاقة من الرياح وطاقة الشمس، ما زالت تولّد 45 بالمئة من طاقتها الكهربائية بحرق أنواع مختلفة من الفحم الحجري

أوروبا ومعضلة الفحم الحجري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 03 يناير 2016

شهد شهر ديسمبر الماضي عملية الإغلاق النهائي لأعمق منجم للفحم الحجري في بريطانيا، كما أغلقت ألمانيا واحداً من المناجم الثلاثة المتبقية لديها، ولقد يبدو لكل من يتابع هذه الأخبار أن هذا التطور يكرّس الدور الريادي الأوروبي في وضع سياسة مستدامة للتصدي لظاهرة التغير المناخي بناء على اتفاقية باريس الأخيرة، والتي تتبنى شعار «لا طاقة مبنيّة على انبعاث الغازات الكربونية»، إلا أن الواقع يؤكد أن السبب الحقيقي لإغلاق تلك المناجم لم يكن القصد منه هو التحول إلى استغلال مصادر «الطاقة الخضراء». ويمكن القول ببساطة إن عصر الفحم الحجري في أوروبا لم يبلغ نهايته بعد، وأن ثورة النفط الصخري الأميركي هي التي تقف وراء هذا التطور، وما زالت دول الاتحاد الأوروبي تنتج ما يقارب ربع طاقتها الكهربائية من محطات حرق الفحم الحجري، وألمانيا - ذات الاقتصاد الأضخم في القارة وأكبر منتج للطاقة من الرياح وطاقة الشمس - ما زالت تولّد 45 بالمئة من طاقتها الكهربائية بحرق أنواع مختلفة من الفحم الحجري. وفي المملكة المتحدة، لا تزال نسبة مشاركة الفحم الحجري في مصادر الطاقة المختلفة تزيد على 20 بالمئة.

وفي عام 2000، ولّدت دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة 32 بالمئة من طاقتها الكهربائية من الفحم. ومنذ ذلك العام، انخفض معدل إنتاج هذا المصدر من الوقود الأكثر تلويثاً للجو بمعدل 11.6 بالمئة في أوروبا. وفي الولايات المتحدة، سُجّل انخفاض أكبر في معدل مساهمة الفحم في إنتاج الطاقة الكهربائية حيث بلغ 38 بالمئة عام 2014. حدث هذا على الرغم من أن إنتاج أميركا الشمالية من الفحم لم ينخفض إلا بمعدل 4.6 بالمئة.

وفي الولايات المتحدة أيضاً، تضاعفت مشاركة الغاز الطبيعي في توليد الطاقة الكهربائية بين عامي 2000 و2014. إلا أن الشركات الأميركية لإنتاج الفحم واصلت إنتاجه من المناجم من أجل تصديره إلى الخارج، وخاصة إلى الصين التي توصف بشهيّتها العالية لالتهام الفحم، ولكنّ أوروبا لم تكن خلال هذه الفترة مشترياً متميزاً للفحم الأميركي بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن. ولهذه الأسباب كلها، واصلت أسعار الفحم انحفاضها في الولايات المتحدة حتى بلغت مستواها الراهن الذي يقدّر بنحو 43 دولاراً لوحدة «الطن القصير» short ton (مقياس وزن أميركي يساوي 907 كيلوجرامات)، أو ما يعادل 47.4 دولار للطن المتري. وهكذا، أصبح استيراد الأوروبيين للفحم الأميركي مقبولاً من الناحية الاقتصادية على الرغم من سعي الاتحاد الأوروبي للتوقف عن توليد الطاقة الكهربائية بحرق الفحم الحجري، وأدى ذلك إلى زيادة صادرات الفحم الحجري الأميركي إلى ألمانيا بمعدل 4 مرات منذ عام 2000. وحتى نهاية العام الماضي، كان الخبراء يتحدثون عن «العهد الجديد للفحم في أوروبا» بسبب استخدامه المتزايد من طرف الشركات الكبرى لإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية مثل شركتي EDF وGDF الفرنسيتين، وشركة Enel الإيطالية.

وقد يتضح من كل ذلك أن القضية ترتبط أساساً بأسعار السوق على الرغم من كثرة الحديث عن تأسيس الشركات المتخصصة بتوليد واستغلال مصادر الطاقة المتجددة، وبالرغم من تأسيس أول وأضخم «سوق أوروبية للتصدي للانبعاثات الكربونية» والذي كان من المفترض فيه أن يجعل من استخدام الفحم عملاً لا يمكنه أن ينطوي على أي فوائد اقتصادية، إلا أن شركات إنتاج الكهرباء وجدت أن من الأرخص بالنسبة لها استخدام أكثر أنواع الوقود قذارة وتلويثاً لجو الأرض بدلاً من استغلال الطاقة المخزونة في الرياح وأشعة الشمس، وحتى أن بعض شركات إنتاج وتوزيع الكهرباء في أوروبا بدأت بإنشاء محطات جديدة لتوليدها من الفحم الحجري. وبين عامي 2010 و2014، تم إلغاء محطات تنتج 17580 ميجاواط من الكهرباء بحرق الفحم الحجري، إلا أن ذلك ترافق مع إطلاق العمل بمحطات جديدة تنتج منه 14469 ميجاواط. وبما يعني أن التخلي عن الفحم الملوث لجو الأرض يتم في مكان ويزدهر في مكان آخر من الأرض الأوروبية.

*ليونيد بيرشيدسكي*

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا