• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

أخلاقُنا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

أخلاقُنا... شجرةٌ مثمرةٌ وارفةٌ، أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، طَلْعُها نضيدٌ، وطَرْحُها متفرِّدٌ مستدامٌ مختلفٌ ألوانه، منه إحسانُ العملِ، واحتسابُ الأجرِ، وسماحةُ الوجهِ، وحلاوةُ اللسان، وتعايُش الأضدادِ، والمودَّة بين الأقران، منه البذلُ والعطاءُ والصدقُ والولاءُ والوفاءُ والانتماءُ، وروحٌ تخفضُ الجناحَ للإنسان، وتعتلي الطموحَ، وتبادر بالمشاركات المجتمعيَّة، وتتفاعلُ بإيجابيَّة، تتجاوز التحدِّيات وتنطلق بإبداعٍ وابتكارٍ. أخلاقُنا دستورٌ متكاملةٌ ثوابتُه في آياتٍ قرآنيَّة وسُنَّة محمَّدية وفي سيرة خير المرسلين، مصداقًا لقول رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ»، وقوله: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا».

أخلاقُنا… منظومةٌ إنسانيةٌ فريدة، إسلاميَّة الهويَّة، وسطيَّة المنهجيَّة، عالميَّة وحضاريَّة، أخلاقنا حِرفةُ أصحابِ القِيَم ممن تآلفَتْ قلوبهم وكان وما يزال همُّهم الأول إحياءَ إنسانيَّتهم، لهم الثناءُ في العالمين ومكانتهم بين المتميِّزين، يذكرُهم أهل السماء فتُقذفُ محبَّتُهم في قلوبِ العبادِ، لأنهم أدركُوا أن الدنيا ممرٌّ إلى دار المستقرِّ، يخرجون منها خالي الوِفاضِ إلا من حُسنِ الأخلاق.

أخلاقُنا… نبعُها دينُنا الحنيفُ، نبراسٌ تهتدي به الأمم وسُلَّم بلغ به الأولون القِممَ، أصحاب الإنجازاتٍ الحضارية والإصدارات المعرفيَّة التي أبهرتِ العالمَ، اتخذوا الأخلاقَ منهجًا فازدادوا رُقيًّا، وخاضوا في بحور المجدِ أميالًا، خَلَّدوا في صفحاتِ التاريخ بطولاتٍ وبصماتٍ، شقُّوا بها دروبَ النجاحاتِ، فارتفعُوا وارتقَوْا ونشروا العِلمَ والقِيَم، وشهد لهم مَن ليس منهم، يقول المستشرقُ الفرنسيُّ جوستاف لوبون في كتاب «حضارة العرب»: «لم يقتصرْ فضلُ العرب والمسلمين في مجال الحضارة على أنفسِهم، فقد كان لهم الأثرُ البالغُ في الشرق والغرب، فهما مَدينانِ لهم في تقدُّمهم». وبهذا لا بغيره يكون غرسُ أمَّة الأخلاقِ.

أخلاقُنا... سرُّ النهضةِ، وريادة الأمم في الشرق والغرب على حدٍّ سواء، فها هي اليابان تعدُو في كلِّ مضمارٍ تُسابق مَن حولها لتكونَ مَضرِبَ المَثَل في الجودة والنظام، تربَّعت على عرشِ التنافسيَّة العالميَّة بأن جمعَتْ بين العلم والخُلُق، فاحتلَّت القِمَم، وأبَتْ إلا أن تكونَ في طليعةِ الأمَمِ، ولو أمعنَّا النظرَ لوجدنا ما وصلوا إليه ليس إلا امتثالًا لأخلاقِنَا التي سطَّرَها كتابُنا الكريمُ وجاء بها خاتمُ المرسلين وسار على نهجِهِ الأوَّلون والعلماءُ المسلمون والأئمة الوسطيُّون.

أخلاقُنا... مَعِينُ التمكينِ لعقولِ أبناءِ أمَّتِنا، ومن هنا جاءت مبادرةٌ استباقيَّة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وليِّ عهد أبوظبي لتكون مادة: «التربية الأخلاقية» ونبضُها المعرفيُّ من خلال خمسة عناصرَ رئيسةٍ هي: الأخلاقياتُ، والتطويرُ الذاتيُّ والمجتمعيُّ، والثقافةُ والتراثُ، والتربيةُ المدنيَّة، والحقوقُ والمسؤولياتُ، لتُشكِّل في مُجمَلِها جداريَّة متكاملةً لإعداد قادةِ المستقبلِ مجتمعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا وتعليميًّا وسلوكيًّا. المبادرة صمامُ أمانٍ تفاعليٍّ يستحضرُ الموروثَ الأخلاقيَّ ليكون ركيزةً داعمةً وحاضرةً في مُخرَجاتنا التعليميَّة وبما يتعامل بواقعيَّة وعقلانيَّة مع الغزوِ الأخلاقيِّ بفُوَّهتِه الحادَّة المُصوَّبَة نحو مجتمعاتنا. كم نحن بحاجةٍ أن تكون هذه المبادرةُ ضِمن كافَّة المقرراتِ التعليميَّة لدولنا العربية ووفقَ مساقاتٍ وخُططٍ ومؤشراتٍ وأدواتٍ تحفيزيَّة وجوائز تشجيعيَّة تنافسيَّة، لتكون حاضرةً في القلب والعقل دونَ تلقينٍ أو قَوْلبةٍ لبناءِ سُفَراء (قدوةً حسنةً) في التقدُّم المجتمعيِّ والرقيِّ الإنسانيِّ الحضاريِّ.

إن هذه المبادرةَ ليسَتْ فحسب توجها حكوميًّا تربويًّا تعليميًّا، وإنَّما يجب أن تكون مشاركةٌ مجتمعيَّة في كل أرض عربية لكل شركاء الوطن ممن يُدركون خطورةَ الخطوبِ وحتميَّة الحلول المستلهَمَة من موروثنا الإسلاميِّ الإنسانيِّ الأخلاقيِّ القِيَميِّ وتحويله من متون العبادات إلى واحاتِ المعاملاتِ والممارساتِ ذات الثوابتِ المرتبطةِ بالتربية الأخلاقيَّةِ. 

دكتور/عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا