• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

المسجد الذي يلتقي بالحصن والقلعة دليل على التسامح والتعايش

البدية.. شاهد على التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 أبريل 2014

ساسي جبيل

هنا البدية: البحر من الشرق ينشر ألواحه ويلقي بمراكبه المثقلة بهموم بحارة عاهدوا أهلهم من قديم الزمان على أن لا يتركوا البحر يتيماً، وأن يعودوا منه بما يسد رمقهم وما يقتل جوعهم وما يزين جيدهم بلؤلؤ مكنون. فالجبل من الغرب يمد ذراعين طويلتين كأنه يبتهل للسماء أو هو يأخذهم بين أحضانه ويقيهم شر غبار قادم من صحراء تختفي خلفه، والنخل يطلع من بين الأرض التي لا يغيب عنها ماء والشجر بأنواعه يهب لهم الفواكه ويوفر لأغنامهم ودوابهم مراعي تمتد على السفوح وتحتها. إنها مزيج بين الجمال والتحدي والانتصار على الطبيعة وتوظيفها كيفما شاؤوا لها أن تكون، فلم يرضخوا لها أو يتركوا مضاربهم ليذهبوا بعيداً لأنه ثمة سرّ يأخذهم إلى أبعد مما تراه العين أو تقف عنده حدود النظر. هو الزمان يفعل فعله فيهم فلا يتركهم يذهبون، وهو التاريخ يعيد صياغة الأشياء من حولهم، ويدفعهم إلى العمل وحب الأرض وما عليها والبحر وملوحته والجبل وفتوّته وجبروته وصموده مخترقاً الزمان والمكان في آن.

الأودية الكثيرة تلف عنق البدية وتروي ظمأ أهلها ومزارعها ودوابها، وربما أخذت البدية اسمها من أحد هذه الأودية (وادي البدي) أو (بئر البدي) والبدي في العامية الإماراتية هو الماء، فمن الماء استحوذت القرية على الاسم الذي بات عنواناً لها عبر الزمان، إذ أن الأهل قديماً كانوا يبحثون في المكان عن أمن وأمان وارتواء من عطش القيظ، لذلك رفعوا أوتاد خيامهم عالية حيث الاطمئنان والهدوء والسكينة والكلأ والخير للإنسان والحيوان... لقد كان بوسعهم أن يختاروا، لأنهم غير مرغمين كما هذا الزمان على الإقامة اضطراراً لا اختياراً في مدن عالية تحتاج إلى مصاعد، فلم يكن يزعجهم ضجيج ولا فوضى ولم يكن يتملكهم خوف من غرق من ماء قد يرمي بديارهم في البحر، لم يكن خوفهم إلا من غزاة أتوا ليبسطوا نفوذهم نظراً لما يحتله المكان من أهمية استراتيجية، فهو ملاذ التجار من كل فج عميق، ولأنه كثيراً ما كان العمران في الأزمنة الغابرة مرتبطاً بالقوت، كان البحر يمثل مصدراً مهماً للحياة، هذا البحر الذي وهب أبناء الإمارات اللؤلؤ والسمك والعابرين بين المحيطات والغزاة والرحالة والتجار من شرق الأرض وغربها، ولكنهم تركوا الأرض والحجر والبحر لأهله ومروا تاركين رؤوس أقلام مدونة عن زمن مضى ولن يتكرر.

شواهد الحجر

البدية التي تقع بين الفجيرة ودبا كانت من المناطق الآهلة بالسكان منذ القدم، وآثارها شاهدة على عمق امتدادها ومدادها، وما تبقى من معالمها يشير إلى أن العتيق لا يمحي أمام أول قطرات ماء أو تذهب ريحه بمرور الزمان، لذلك لا تزال القلاع والمساجد ماثلة عالياً وبعيداً، مشيرة إلى أن هذا الماضي يمثل بكل تفاصيله وفي كل الأحوال سياقاً ونسقاً لا غنى لنا عنه اليوم لفهم حاضرنا والإبحار في مجالنا ومنظومتنا، وعليه، فلا يزال الأهل الطيبون البسطاء في البدية يفتخرون بماضيهم وإن لم يعش بعضهم تفاصيله إلا في كتب التاريخ، ولكنه في كل الأحوال صورة طبق الأصل منهم، ولذلك تمسكوا إلى يوم الناس هذا بصنائع الأجداد ورفعوا لواء العمل كما أسلافهم في البر والبحر غير عابئين بقساوة الطبيعة وصعوبة العيش في ذاك الزمان. ومع أن القرية الماثلة بين البحر والجبل تعيش اليوم على وقع الزراعات السقوية ويعلوها نخيل يخاتل الصخر والماء إلا أنها كانت قلعة وحصناً ومسجداً وأبراجاً عاتية تركها الغزاة القادمون نحوها من كل حدب وصوب. وهي من العلامات الفارقة في التحولات التي عاشتها المنطقة والتي لا غنى للباحثين والدارسين وسكان البدية جيلا بعد جيل من العودة إليها واستلهام العبرة من شواهدها الماثلة التي لم تذهب أدراج الرياح أو يأتي ناحيتها تلف أو نسيان عبر الزمان.. ولعل أكثر المؤثرين الأوائل فيها كانوا من البرتغاليين القادمين للسيطرة على مضيق هرمز ومنافذ التجارة بين المشرق والمغرب، فالشواهد التاريخية تشير إلى أن البرتغاليين بنوا فيها الأبراج العاتية والقلاع الحصينة ليطلوا من خلالها على بحر بارد، عاجٍّ بسفن العرب والعجم وهم ينقلون بضائعهم ويتنقلون في مياهها العميقة، وحذوها، بأمر من الغزاة الذين رابطوا في أعالي ديارها ومرابعها، فبحرها غني بثروة سمكية نادرة الوجود في المنطقة كلها، ولعل ذلك ما ساعد على الاستقرار في هذا الجانب من خليج العرب، فالبدية التي جمعت الصخر بالجبل تطلع من بينهما كحديقة مزركشة بألوان شتى تلقي بظلالها على كل ما حولها، فلقد كتبت صفحاتها المشرقة من تراب الأرض الذي استوطنه سكانها الأوائل الذين تجمعوا حول الماء المنحدر والذي يسيح فيها وحولها، ماء منهمر كالقصيد يشدو بأروع الأغاني الأثيرة على النفوس، ويشحذ العزائم لتبحر في الفعل بلا توقف أو كلل أو ملل أو خوف من مجهول.

تحتضن البدية الجبال الرمادية الممتدة في سلسلة جبال عمان التي لا تهب غير الماء المنهمر، الجبل قاعاً صفصفاً لا تنمو بين صخوره غير أشجار متفرقة كأنها تشير إلى أنه ثمة في الأكمة ماء أعلى أو أن بين هذا الصخر تراب يهب حياة للأخضر، ولولا الماء ما كان لينبت بين الشقوق أخضر. جبل طالع في الأرض كحد السيف، ربما لم يهب لها غير الدفء من صقيع التيارات البحرية الباردة في خليج العرب، هذا البحر الذي كان مسرحاً لتنافس شرس للسيطرة على تجارته واحتلال معاقله ومعابره الممتدة، ولعل ما ساعد البدية أكثر أنها اختارت منبسطاً ينحدر منه الزلال فيسقي الأرض ويوفر الماء العذب ليطلع الزرع والشجر سامقاً نحو السماء البعيدة، فالأهل الكرام على هذه الأرض حصدوا من وراء ذلك منتوجاً وفيراً وربوا المواشي وعاشوا في سكينة قل أن تجد لها نظيراً.

قرية الوادي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف