• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

الإحساس والصوت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 14 يونيو 2017

بأي حرف أكتب عن داليدا...

سؤال لطالما حيرني ووضعني أمام اختبار صعب فبين القلم والذاكرة جسر بلا بداية ونهاية ربما فكرياً وفلسفياً يمكن الربط بينهما لكن كيف يمكن اجتياز الفراغ المسكون في المسافة... عشقاً؟

فرغم مرور وقت طويل على رحيلها ما زال تاريخها الفني مزدهراً ومتألقاً لكونها صاحبة الإحساس المرهف واللحن العذب والصوت الساحر، وهذه صفات نادرة من الصعب أن توجد في أي مغنٍ أو مغنية في الوقت الحاضر، فجيل العمالقة رحل ورحل معه الكثير من الأنغام والألحان، وما يحدث الآن على الساحة الفنية ما هو إلا تجديد رمزي لمظاهر سابقة واستحداث مفاهيم جديدة للفن رغم بعدها عن معانيها الحقيقية لكن هذا لا ينطبق بشكل مطلق على العاملين في مجال الصوت والموسيقى، فبين ثنايا الزمن تظهر أصوات جميلة تحمل نقاء الكلمة وصفاء اللحن لكن لا يمكن مقارنتها بالماضي.

لكن يولاندا كريستينا جيجليوتي (داليدا) أسطورة غنائية صنعها الماضي الجميل والحاضر ينقل صورتها الحية إلى القلوب والعقول ورغم انتحارها بجرعة زائدة من المهدئات في 1987 فإن صوتها ما زال يتنقل بين أروقة الفن كنغمة هادئة تأبى الانتحار، فإيقاع موسيقاها تخطى الزمن والمكان وأحاسيسها المنفردة الخاصة بها لم تخرج عن قاعدة الواقعية لأنها كانت تغني بصدق وتبث بلغات عديدة لهفة العشق الهارب والغائب والمجهول.

فالغناء قبل كل شيء إحساس ولحن وما إن يتجسد الاثنان في فكر وفلسفة المغني أو المغنية حينها ستكتمل الأغنية في أبهى حلة وستأخذ بوناً شاسعاً في خيال المستمع لها هنا اللغة لا تخضع لمقياس العنصر الموسيقي، فداليدا طرحت أغاني عديدة وبلغات متنوعة بالعربية والفرنسية والإيطالية لكن هذا التنوع اللغوي لم يصنع نجاحها وتميزها، بل أضاف بريقاً وشعاعاً إبداعياً لأعمالها الغنائية التي تصنف ضمن خانة الإبداع الفردي لشخصيتها المنفتحة على ثقافات كثيرة بينما الإحساس واللحن كانا لهما الأثر الأكبر في الترويج لأغنياتها، فأداؤها واختيارها لمجموعة من الإيماءات والحركات والماهية التي من خلالها طرحت رسالتها الفنية وطريقة وصولها لذهن المستمع، كل هذا صنع لأعمالها الغنائية الخلود الذي وإن طال الزمن سيبقى حاضراً في المشهد الغنائي الغربي والشرقي.

لذا فإحساس ولحن وصوت داليدا هو المنفى الاختياري للروح عندما تتخبط في خيوط العبث والفوضى في اليوميات، فأغانيها فسحة للسفر إلى الخيال كي يحظى القلب والعقل بالهدوء بعيداً عن السخف الذي ينقله الواقع.

إيفان زيباري

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا