• الثلاثاء 03 شوال 1438هـ - 27 يونيو 2017م
  04:05     وفاة وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس في فرنسا     

أحد كنوز الأدب العالمي للروائي هرمان ملفيل

«موبي ديك».. صراع مع الطبيعة.. الذات.. والإنسان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 14 يونيو 2017

محمد عبد السميع (الشارقة)

موبي ديك أو الحوت الأبيض هي رواية من تأليف هرمان ملڤيل، نشرت للمرة الأولى عام 1851، وهي إحدى أعظم الروايات الأميركية ومن كنوز الأدب العالمي. تدور حول صراع تراجيدي بين حوت وإنسان، وتتخذ من هذا الصراع الضاري وسيلة لتأمل الوضع البشري وعلاقته بالوجود، كما تحوله إلى كيان رمزي معقد وعن المشروع الأميركي الذي وجد في عمل ملفيل شكلاً من أشكال التعبير عن نفسه في منتصف القرن التاسع عشر، أي حين كانت أميركا تكتشف ذاتها كقوة كونية وإمبراطورية إمبريالية أميركية بالقوة والإمكان. فكانت رواية موبي ديك وروايات ملفيل الأخرى بمثابة نبوءة لما ستصير إليه هذه القوة الكامنة. ويقول الأميركيون عنها: «إنها ملحمتنا الأميركية الوحيدة». ويعتبرونها الأم لكل أدب وفن حول البحار والحيتان، كما أنها سيمفونية البحر وترنيمته الخالدة.

عندما نُشرت الرواية عام1851، لم يبال أحد بها وبمؤلفها هيرمان ميلفيل. وظلت مهملة حتى التقطتها مؤسسة «إيفري مان لايبراري»، الشهيرة سنة 1907، وأصدرتها في سلسلة الأعمال الخالدة. عندئذ بدأ الاهتمام بها ثم تأجج سنة 1920. فشغلت القراء والنقاد والباحثين والناشرين.

كما يمكن وصف هذه الرواية بالسهل الممتنع. فهي تبدو بسيطة ونستطيع أن نوجزها في سطور قليلة، لكننا لن نستطيع أن نعطيها حقها في كتب عدة. كما بمقدورنا اعتبارها رحلة استكشافية للبحر، والقارئ إذ سيتعرف على أشياء كثيرة يجهلها عن البحر والمحيطات. واستعان مؤلفها بتجاربه البحرية، ولم يترك ظاهرة أو عادة أو مصطلحاً أو لقباً بحرياً إلا وذكره.

وكذا ينظر إليها كرحلة استكشافية للنفس البشرية. فالسفينة «بيكود» تبحر في أعماق المحيط ونحن نبحر معها في أعماق أبطالها وبحارتها. وهم تشكيلة عرقية متعددة الجنسية، وتحمل معها معتقدات وثقافات مختلفة. وإذ يطلعنا ميلفيل على تلك المعتقدات والثقافات، فإنه يضع شخصياته في صراع مثلث: صراع مع الطبيعة وصراع مع الذات وصراع مع الإنسان. ثم يدفعها إلى التأمل في الإنسان والوجود والإيمان والخير والشر، ومراجعة بعض المفاهيم والأعراف الاجتماعية.

ولبلوغ الأثر الدرامي، استعان المؤلف بالتكنيك المسرحي الشكسبيري. واستخدم الرمز والاستعارة والكناية بكثافة، وعرضها بأسلوب بليغ وسرد مبهر يشد القارئ ويتركه، رغم بعض التفاصيل المملة، في حالة تأمل عميق.

بكلمات قليلة، كتب ميلفيل عن البحر ما لم يستطع أن يكتبه أحد من قبله وبعده. واعترف له بهذا أدباء ونقاد العالم. ونورد على سبيل المثال ما قاله جورج برنارد شو: «منذ أن تعلم الإنسان الكتابة، لم يكتب مثل هذه الرواية...».

كل الشخصيات في هذه الرواية منقسمة على نفسها ويتقدمها، القبطان آهاب. إذ عانى من قسوة الحياة في سن مبكرة. عمل في البحر عندما كان في الثامنة عشرة من عمره وأمضى أربعين عاماً في صيد الحيتان. متزوج وله ابن لكنه لا يكترث به.

تحتل الرواية مكانة مرموقة بين كلاسيكيات الأدب العالمي، فهي إضافة إلى كونها الملحمة الكبرى المكتوبة حول صراع وتحدٍ بين حوت وإنسان، فإن الرواية لاقت من الإهمال ما جعل نفس كاتبها تمتلئ باليأس والإحساس بالعجز ليصرف بقية حياته موظفاً في سلك الجمارك الأميركية ويموت مهملاً مجهولا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. ومع مرور زهاء 60 عاماً على صدور «موبي ديك» للمرة الأولى؛ لم يلتفت إلى الرواية وينظر إليها بصفتها أحد الكتب العظيمة سوى عام 1907 أي بعد وفاة صاحبها بستة عشر عاماً، عندما تم إدراجها ضمن سلسلة «إيفري مان لايبراري» الشهيرة التي تنشر الكلاسيكيات الكبرى. ولم يهتم النقد بالرواية إلا في العشرينيات من القرن الماضي؛ حين بدأ الباحثون والنقاد وأساتذة الجامعات يكتبون عن هذا العمل الروائي المدهش الذي طور شكل الكتابة الروائية في منتصف القرن التاسع عشر، وجعل الرواية الأميركية تحتل مكانة متقدمة في تاريخ الرواية العالمية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا