• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

الحوار.. حرب لكن على أرض اللغة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

عبدالسلام بنعبد العالي

غالباً ما لا يلجأ السّاسة إلى الحوار إلاّ بعد أن تهدأ الطبول وتسكت المدافع. وهم يستسلمون له أملاً في أن يكون طريقاً أجدى لفك النزاعات ورفع الخلافات، ويأساً من الحروب التي لا تعمل في الأغلب إلا على تأجيج الفرقة وتعميق سوء التفاهم. إنهم يعوّلون على أن تحكيم منطق العقل ومقارعة الأفكار من شأنهما وحدهما أن يقضيا على اللامعقول الذي يطبع الحروب، معتقدين أنه يكفي أن يصدر الحوار عن حسن نية، وأن يتحلى المتحاورون بالصدق والنزاهة، وأن يصدق كل طرف ما عاهد الآخر عليه، كي تتقارب الأطراف، ويُرفع سوء التفاهم، فتسود الهدنة ويعمّ الوئام.

يرتكز هذا الاعتقاد على مسلّمة أساسية، وهي أن الحوار ليس مُوَلداً لأسئلة، وإنما هو يكتفي بالتوقّف عند مجرد الاستفسارات بهدف الحفاظ على الإجماع. لا تكمن مهمة الحوار في الحفر والتشكّك والتردّد وخلق المسافات، لا تكمن في إثارة مزيد من الخلافات إبرازاً للفروق، وإنما تتجلى أساساً في البحث عن الوفاق بهدف خلق التطابق والسعي نحو ما يجمع ويؤلف ويؤالف. الحوار سبيل ينهجه طرفان يسعى كل منهما لأن يقرب الآخر مما يُعتقد حقيقة، افتراضاً أن الحقيقة قائمة قبل الحوار، وأن الأسئلة تتقدمه، بحيث لا يعود هو سوى «مسْرحة» لغوية تُمكّن الأطراف المتحاورة من أن يجرّ كل منها الآخر نحوه كي ينجرّوا جميعُهم نحو الحقيقة، وهكذا يتقاربون فيما بينهم باقترابهم من هذه «الحقيقة».

لا يبدو أنّ الحوار، من وجهة النّظر هاته، مجال لإعمال الفكر المتروّي بهدف توليد أسئلة وبناء حقائق، وإنما هو جرْي متعجّل نحو حقائق، بل هو الطريق التي تهدي إلى «الحقيقة». فهو لا يُبعد ولا يباعد، وإنما يقرّب ويقارب. إنه تفاعل بين ذوات متكلمة، وأطراف تتخذ الكلام تعبيراً عن آرائها بهدف التوصّل إلى الوفاق والمهادنة والسّلم.

ولكن، هل يخلو الحوار بالفعل من كل صراع؟ ألا تسوده، هو كذلك، علائق قوة؟ أليس طريقاً للتعثر والتأزم؟

عندما نقابل بين لغة الحوار ولغة المدافع على أساس أن الأولى لا تسودها علائق القوة التي تطبع الثانية، فإننا نتناسى أن اللغة، التي هي أداة كل حوار، مرتع تناحر القوى ومجال مفعولات السلطات، إنها عشّ الاختلاف وميدان علائق القوة بامتياز. فأن تطلق الأسماء كما سبق لنيتشه أن أوضح، هو أن تمارس سلطة، أن تطلق الأسماء «هو أن تكون سيّداً». استراتيجية التسمية هي استراتيجية هيمنة وتسلط. وتاريخ الأشياء هو تاريخ أسماء. اسم الشيء هو القوة التي تستحوذ عليه وتتملكه. تاريخ الأسماء هو تتابع القوى المستحوذة التي تعطي المعاني وتحدّد القيم. وما الكلمات سوى «كمّيات من القوة في علاقة توتر»، فلا يمكن للحوار الذي يوظّفها ويستثمرها إلا أن يجسّد علائق القوة ومرامي التسلّط والهيمنة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف