• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

جان فيجو.. فضاء الصورة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

حسام نور الدين

يوضح الفيلسوف، ورائد علم الجمال منذ ألف سنة أبو حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات»*، ما مُفاده أن العملية الإبداعية الفنية لا تبلغ ذروة التأثير، إلا عندما تعتمل في «وجدان- عقل» الفنان معاً في تفاعل إيجابي متكامل، فالفطرة الفنية تتناسق مع العقل دون تكلف، والفكر يخدم تلقائية الحس، والحدْس والإلهام لا يستغنيان عن إتقان الصناعة، مع بذل أقصى جهد. وهذا ما ينطبق على الشخصية الفنية لمبدع السينما الفرنسية «جان فيجو» في الثلاثينيات، ولمدة أربع سنوات فقط هي كل عمره الفني، بعد وفاته سنة 1934 عن عمر لا يتعدى 29 عاماً فقط!!

كان «جان بونافونتير دي فيجو» يستشعر دنو أجله، إذ لا يتركه المرض يهنأ بشبابه المتقد، فكان همه الإسراع في التعبير عن نفسه التي حفرتها أخاديد جارحة لا تنساها طفولته، وأهمها مقتل والده «الفوضوي اليساري» في السجن، تحت قمع السلطة العسكرية حينذاك، وظل حادثاً فارقاً في تكوين جان فيجو، ولبث يبحث بعدها عن ملابسات مقتل أبيه الثائر السياسي، ثم بعد محاضرات تلقاها في جامعة السوربون، قرر أن تكون الكاميرا السينمائية ملاذه في الإبانة عن مشاعره، وأفكاره تجاه هذا العالم، كما كانت الكلمة سلاح أبيه في الصحافة.

أفلامه الأربعة

اقتنى الشاب فيجو كاميرا مستعملة «ديبري»، بعد عمله كمساعد مصور في فيلم صغير في مدينة نيس، التي تولد وجوده فيها عن فيلمه الأول التسجيلي الصامت «عن نيس –1930»، ثم بعدها بعام كان فيلمه التسجيلي الثاني القصير «جان تاريس بطل فرنس- 1931»، إذ يرصد المهارات الفائقة لبطل السباحة «تاريس»، وأظهر فيجو الحس التشكيلي لديه في كشف سر براعة البطل في السباحة، مع تفصيلات جسده يتفاعل مع المياه من كل الزوايا، وباستخدام تقنية «السرعة البطيئة- السريعة، الصورة المقلوبة»، ثم تابعه بالكاميرا في أعماق المياه «لاحظ أن هذا كان من 85 سنة»، وهو يروضها لإرادة عقله، وعضلاته، لذا فالفيلم لا يعتبر عملاً دعائياً كما وصفه كثير من النقاد، لكنه في المقام الأول- من وجهة نظرنا- حث وتحريض للإرادة داخل الإنسان ليقتحم بها مخاوفه، متمثلاً في عالم المياه المهيب. كما أظهر هذا الفيلم عشق المُخرج للماء، حيث إن حضورها العضوي في صميم اللعبة الدرامية يُعَد لازمة متكررة في أفلامه عموماً، ومن معالم أسلوبه، ظهر ذلك جلياً في فيلمه الروائي الطويل والوحيد «لا أتلانتا –1934»، حيث مات بعد الانتهاء منه مباشرة، نتيجة مرضه المزمن، وفي هذا الفيلم البديع - يحتاج إلى صفحات مطولة لتحليل جمالياته- سنجد مشهداً تحت المياه لا تنساه ذاكرة السينما، يبحث فيه الزوج بعيونه المفتوحة عن زوجته الحبيبة الغائبة عنه، ويتهادى له خيالها الراقص بأعماق النهر، وتترقرق ملامحها، وابتسامتها الساحرة في عينيه الحزينة... ولقد هز فيجو في فيلمه مشاعرنا، وأمتع عيوننا وأسماعنا بلغة بصرية- موسيقية، فيها من حرارة الواقع المُعاش، بقدر ما فيها من طيف الأحلام، وغناء الروح على سواء، وبالرغم من فشل الفيلم المهين وقت عرضه، فإنه لا يزل ينال ترتيباً متقدماً جداً في قوائم أجمل أفلام السينما كلها، كما تأثر به كثيراً أعمدة الفن السابع لاحقاً مثل: كوستوريتسا، برتولوتشي، جودار، وكاراكس.

فيلم «صفر في السلوك» ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف