• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  11:17    أمير الكويت يقول إن خيار تخفيض الإنفاق العام أصبح حتميا        11:18    تركيا.. هناك مؤشرات على أن هجوم اسطنبول نفذه حزب العمال الكردستاني    

كنائسُ النَّقْدِ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

عبدالدائم السلامي

متى رُمنا توصيفَ الممارسة النقدية العربية المعاصرة قلنا إنها ممارسة لا تنهض على وعي نقدي يتغيّا مجاوزة السائد من الحكومات الذوقية لتأسيس نظام جماليّ حُرّ الرؤية وذاتيّ الأداة، وإنما هي ممارسة توفيقية مهادنة ونمطيّة أوقعت المُنتَج النقدي في عديد المطبّات والهَنات، وصار فيها الفعل النقدي عمل المتقاعدين عن العمل الذين يملؤون به فراغَ وقتهم ويقتلونه.

من هنات النقد ثباته في خانة مدرسانية اجترارية ومتعالمة يكتفي فيها الناقد بالظاهر من ماء النصوص، فإن حَفَلَ بوديانها العميقة لا تراه إلاّ فاقدًا ما يحتاجه الحفرُ من صبر ومداومة عليه كبيريْن. ذلك أنّ غاية الناقد، وهو ينجز قراءة نصّ مّا، أن ينتصر لفكرة في رأسه هو وليس لفكرة في رأس النص، يفعل ذلك مُتّكِئًا باطمئنان على مقولات نظرية غربية دون وعي منه بأنّ أصحابها قاموا بمراجعات لأغلبها ليقينهم بأنها لم تعد تفيد الفعل النقدي. وعليه، تراه يلوي أعناق النصوص لتُلائم فكرته حتى يكاد يستلّ منها أنفاسها، وفي خلال ذلك يظلّ يحشد في كتابته من الشواهد ما يتجاوز حجم كلامه الشخصيّ، بل تراه يستلذّ الإكثار من عبارة «قال فلان» وأخواتها دون أن يسأل نفسه: وماذا قلتُ أنا؟ وهو سؤال طرحه بعضنا ويجب أن يطرحه الكثير منّا.

ويبدو أن تلك القراءة المدرسانية منعت النقد العربي من أن ينهض على مشروع فكري واضح وجريء وملبٍّ لانتظار نصوصنا الإبداعية المعاصرة. وفي زعمنا أنه متى لم يتكئْ الفعل النقدي على دعامة مشروع صار فعلا غير شرعي أدبيا. ومن ثمة، يخرج من مجال الجماليّ ويدخل حقل التجاريّ، ويصير ممارسة ربحية تحكمها قوانين العرض والطلب وتخضع لطوارئ الأزمات الدولية وللموالاة والمحاباة. وعليه، لم يُفلح النقد العربي المعاصر، على وفرة إصداراته ومقالاته، في تأصيل ممارسة نقدية مناسبة لثقافة نصوصنا الإبداعية. حيث ظلّ أغلب ما كُتب فيه مجرّد تطبيقات تجريبية لمناهج وافدة ذات مَيْزات فكرية وجمالية قد تتقاطع حينا مع ثقافتنا العربية ولكنها تختلف عنها أحيانا أخرى كثيرة. وهو أمر بدت فيه الكتابة النقدية كلاما عاما شبيهًا بِجُبّة تصلح لكلّ أجساد النصوص الإبداعية المُنجَزة في النثر والشعر بقديمها وحديثها أو حتى تلك التي لم تُنجَز بعدُ. بل إننا لا نعدم في مدوّنة النقد العربي المعاصر وجودَ نقّاد يستجلبون المنهجَ ويُطبّقونه بأمانة على نصّ من زمن الجاهلية كما يطبّقونه على آخر من القرن الحادي والعشرين دونما وعيٌ منهم بأن لكلّ منهج قرائي حاضنةً حضاريةً هي منه مُحدِّدٌ من مُحدِّدات مقولاته الجمالية، ودون تبصُّرٍ لديهم بما لحركة الزمن من تأثير في سياقات حَدَثِ الكتابة وفي شروط فعل التقبّل معًا، لا، ولا حتى تنبّه منهم طفيف إلى اختلاف ذاكرة النصوص وتنوّع هواجسها الثقافية.

ولعلّ في هذا التوصيف ما يُجيز لنا القولَ إنّ ممارستنا النقدية الراهنة لا تزيد عن كونها ممارسة نمطيّة باهتة، فلا تُقبِلُ على النصوص إلا متى وافقت هواها المنهجيَّ، وإذا أقبلت على نصٍّ مَّا فلا تراها إلاّ جالسةً على رقاب معانيه، حاشرة إيّاه بالقوّة في خانات نقدية غالبا ما تُشوِّه فيه صُورَه الفنية وتُجبره على قول اعترافات لم تخطر على باله أبدا، بل وربما كانت اعترافاتُه مناقضةً أصلا لبنيته الفنية ولمزاجه الدّلاليّ ولروحه الثقافيّ.

فوضى النقد ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف