• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

خيْطٌ يرشدنا داخل بابل أرواحنا..

السارد المتخفّي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

د.حاتم الصكَر

يبدو أن الأجناس والأنواع الأدبية لا تكف عن التحول والتغير. تلك حقيقة يثبتها استقصاء مفردات تلك الأنواع ونصوصها. وهي كالأحياء ينالها التطور والتبدل والتكيف. لاسيما في عصر صعود مفاهيم - ومناهج - ما بعد الحداثة، واقترابها من النزعة الشعبوية، وتمركز الأنا في الملفوظ الأدبي، والنظر للأدب كنتاج خاص، لكونه ترميزاً للحياة ومعادلاً موضوعياً لأشيائها التي تتناولها الآداب والفنون.

بصدد كتابة السيرة الذاتية التي يجري الحديث دوماً عن موانعها ومحدداتها، نجد عبر تتبع تاريخ الأدب ونظرياته النقدية أن السيرة الذاتية نالها التوسع والتمدد النوعي بفعل تغيرات مفاهيم ما بعد الحداثة، فجرى لها ما جرى للرسم مثلاً حين خرج من اللوحة والمرسم والمتحف ليكون فن الشارع والفضاء الطلق، وما جرى للموسيقى التي اندمجت فيها الاتجاهات والتيارات، وشاع العزف العفوي والمرتجل. وما جرى للمسرح من تجريد مكاني وزماني، وتغريب وانتقال بفضائه صوب الساحات والأمكنة المفتوحة، وعودة للارتجال والتماهي مع المتلقي في العمل، واستخدام الخلفيات الصورية والسينوغرافيا خلال العرض.

تحولات السيرة

يوصلنا تعقب التوسع في كتابة السيرة الذاتية إلى تشخيص تحوّلين واضحين: الأول خارجي يتعلق بشعريتها وشروط كتابتها ومؤهلات كتّابها. فيعلن كاتب مثل فيليب لوجون - يعد من أبرز منظري كتابة السيرة الذاتية وأكثرهم اهتماما بها - أن كتابة السيرة الذاتية صارت في متناول الجميع، فيحق حتى لطلبة المدارس أن يدونوا يومياتهم وينتجوا سيراً ذاتية. ولم يعد كاتب السيرة الذاتية خاضعاً لشرط الشهرة في حقل تخصصه أو بقدر إضافته لما يمارس من تخصص. وانتفى بالضرورة الشرط الأخلاقي أو التربوي للسيرة الذاتية على مستوى القراءة. وهو في الحقيقة مغزى السيرة الذاتية أو هدفها، وأعني ما نص عليه النقاد القدامى حول مساهمة السيرة الذاتية في تربية القراء ومنحهم أملاً ووعياً نتيجة ما يقرأون من سير المشاهير.

هكذا ظهرت سير ذاتية لمنبوذين ومهمشين وخارجين على القانون والمجتمع أحياناً، وصارت المصارحة مقبولة بين القارئ وكاتب السيرة، فيمكن مثلاً قراءة اعترافات جان جاك روسو على هذا الأساس، وعربياً - وبشكل نادر وقليل - كما في الخبز الحافي لمحمد شكري. وهذا ما حصل في السيرة الغيرية أيضاً، حين أخذ الكتّاب يترجمون لحياة أناس عاديين أو لمشاهير في حياتهم خلل أو مروق، كما فعل سارتر في تسمية جان جينيه بالقديس في كتاب عنه رداً على سجن جينيه لأسباب أخلاقية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف