• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

الفيلسوف طبيب يداوي الحضارات

الفلسفة حارثة الأسئلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 أغسطس 2016

هاشم صالح

فصل الصيف هو الأنسب للمطالعات والقراءات والتأملات. فاسترخاء العطلة الصيفية وطولها يحبذان ذلك ويدفعان إليه دفعاً. ولو سألني أحدهم عن قراءاتي هذا الصيف 2016 لأجبته بأني غاطس كالعادة في عدة كتب دفعة واحدة. أولها كتاب الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل: «متعة الفكر: مدخل إلى الفلسفة»، وكنت قد ذكرته بسرعة في مقالة سابقة دون أن أتوسع فيه. وهو كتاب ضخم يتجاوز الخمسمئة صفحة. ويشكل مدخلاً فعلياً إلى الفلسفة. وهذا هو عنوانه الثانوي وكان يمكن أن يكون الأساسي.

يضم في طياته نصوص كبار فلاسفة العالم منذ الإغريق وحتى يومنا هذا: أي منذ ألفين وخمسمئة سنة وحتى اليوم. فلا يمكن أن تصبح فيلسوفاً قبل أن تطلع على نظريات كبار الفلاسفة، كما لا يمكن أن تصبح شاعراً قبل أن تحفظ آلاف القصائد العبقرية أو تقرأها على الأقل.

معرفة المعرفة

يطرح المؤلف هذا السؤال: ما هي الفلسفة؟ وجوابه قد يدهشكم إذا ما ذكرناه. فهو يرى أن الفلسفة ليست علماً ولا حتى معرفة. يقصد ليست معرفة من جملة المعارف الأخرى. وإنما هي معرفة المعرفة أو علم العلوم. في القرون الوسطى كان علم الدين أو علم اللاهوت هو أم العلوم، وكانت الفلسفة خادمة طيعة له. وأما الآن فقد انعكست الأمور، على الأقل في الغرب المتنور العلماني. ولهذا السبب فإن الفيلسوف هو أهم مثقف في الغرب حالياً. أما رجل الدين فهو المثقف الأول عندنا وبطل الفضائيات! وهذا يعني أننا لم نخرج من العصور الوسطى بعد أو قل إننا مقسومون إلى قسمين: قسم الجماهير الفقيرة الأمية التي لا تزال تتبع رجل الدين وتنتظر فتاواه بصبر نافد وكأنها كلام معصوم، وقسم النخبة المثقفة التي خرجت قليلاً أو كثيراً من عقلية القرون الوسطى ودخلت في عالم الحداثة. على أي حال فإن الفيلسوف في كل عصر هو ذلك الشخص القادر على هضم كل المعارف واعتصارها والتوصل إلى حل مشكلة العصر بعدئذ. بهذا المعنى فالفلاسفة الكبار هم أنوار ساطعة تظهر من وقت لآخر لكي تبدد ظلمات العصور. عندما يظهر فيلسوف كبير تنفتح الآفاق المسدودة، تتوهج الدنيا. لماذا يشعر العرب بالهلع حالياً؟ لأنه لم يظهر فيهم حتى الآن فيلسوف قادر على تشخيص مشكلتهم، ناهيك عن حلها.

يقول لنا كونت سبونفيل: الحياة صعبة، وغالباً مخيفة أو خائبة، وأحياناً مرعبة وفجائعية، ولولا ذلك لما احتجنا إلى الفلسفة. ولكن ما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعة أيضاً. والدليل على ذلك أن هيغل كان يعرّف الفلسفة على النحو التالي: إنها القبض على الواقع من خلال الفكر. ثم يضيف: الفيلسوف الحقيقي هو فيلسوف المشكلة الواحدة. لقد ظهر لكي يحل مشكلة العصر. وهو وحده القادر على ذلك. لا السياسي ولا رجل الدين ولا عالم الاقتصاد بقادر على تشخيص مشكلة العصر. وحده الفيلسوف مكلف بذلك. لهذا السبب فإن أبطال التاريخ هم الفلاسفة في الواقع. بعدئذ يجيء الأبطال السياسيون والعسكريون. بم يفتخر الإنسان اليوناني الحالي إذا ما افتخر؟ بسقراط وأفلاطون وأرسطو. كانوا منارات مشعة في عصرهم، بل وفي العصور اللاحقة. أرسطو هيمن على الفكر البشري عند العرب والأوروبيين مدة ألف وخمسمئة سنة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف