• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

القادم من ذرى لم يحلّق فوقها طائر

نيتشه هواء الفلسفة.. العالي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 يناير 2017

إسماعيل غزالي

يمكن صرف النظر عما إذا كان كتاب «هذا هو الإنسان» عملا خالصا لفريديرك نيتشه، أم طاله التصرف، كونه الكتاب الوحيد المنسوب إليه بعد موته، ولم يصدر وهو قيد حياته. أما الإشارة الدامغة التي تصاحب اكتشاف متن الكتاب، فتلمح إلى أن المؤلَّف تمّ إنجازه في الطور الأخير من حياة الفيلسوف، وهو الطور المعروف باضطرابه وجنونه. غير أن قراءة العمل تفصح تماما عن منحى التناغم الهارموني بين أفكاره هذه – ذات العلاقة بتجربة مرضه أو اختلاله - وبين مجمل أفكار أعماله السابقة، مما يعزز من حدّة صلابتها واستغراقها الكلي في التماهي مع جذريتها وعنفها وقسوتها.

إن قراءة كتاب «هذا هو الإنسان» لفريديريك نيتشه تكشف من توطئته عن هويته وطبيعته كسيرة ذاتية على نحو استباقي، أراد لها صاحبها أن تكون وثيقة بكرا، وشهادة أمينة ووافية - منه شخصيا- حول اسمه المريب، حتى لا يُخلط بينه وبين آخر ليس هو من جهة أولى، ومن جهة ثانية تحكي لأول مرة عن المناخات العاتية التي شهدت إنجاز كتبه العشرة أو تحكي قصص نشوئها بالأحرى: مولد التراجيديا، معاينات معاصرة، إنساني مفرط في إنسانيته، الفجر، العلم المرح، هكذا تكلم زرادشت، ما وراء الخير والشر، جينالوجيا الأخلاق، أفول الأصنام، قضية فاغنر.

احذروا الهواء العالي

يقدم نيتشه نفسه منذ البداية كتلميذ لديونيزوس، وينفي عن ذاته صفة الانتماء إلى صنف المقدسين وفق مثالية الفضيلة، فهو يفضل أن يكون مهرجا على أن يُنعت بقديس. وعليه فتحطيم الأصنام هي حرفته الأثيرة، منبها إلى الهواء العالي الذي تموج به كتاباته ومحذرا في الآن ذاته من خطورة الإصابة بالبرد الحاد غبّ قراءتها، فالفلسفة كما يفهما نيتشه ويعيشها هي الحياة طوعا في الثلج وعلى الجبال السامقة.

بكلمات يراها أكثر هدوءا لأنها تستدرج قدوم الإعصار يتوجه نيتشه بتعاليم إلى قرائه كما لو كان رياح الشمال التي تدفع لهم بثمار التين الناضجة ذات الشقوق الحمراء إثر سقوطها من الأشجار، ولا يني يفرد اعتزازا موشوما لعمله «هكذا تكلم زرادشت» إذ يثني عليه بتوصيف الكتاب الأعظم على الإطلاق، والأكثر عمقا، إنه ليس كتاب أعالي وحسب، بل هو أيضا كتاب أعماق سرية لكنوز الحقيقة، ما يشبه بئرا لا ينزل دلوٌ فيها دون أن يصْعد ممتلئا ذهبا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا