• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

نص من كتاب شوبنهاور الخالد «العالـم إرادةً وتمثُّلاً»

مـن الجميل إلى الجليل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 يناير 2017

ترجمة د. سعيد توفيق

الشمس هي في وقت واحد مصدر الضوء الذي هو بمثابة الشرط اللازم لأكمل أنواع المعرفة، ومن ثم لأكثر الأشياء بهجة، وهي مصدر الحرارة التي هي الشرط اللازم لكل حياة، وبعبارة أخرى لكل ظاهرة من ظواهر الإرادة في أعلى درجاتها. ولذلك فإن الحرارة تقوم من الإرادة مقام الضوء من المعرفة. ولهذا فإن الضوء هو أكبر قطعة من الماس في تاج الجمال، وله أكبر تأثير حاسم على المعرفة بكل موضوع جميل.

إن حضور الضوء يكون بوجه عام شرطاً لا غنى عنه، وتوزيعه الملائم يزيد من قدر الجمال في الموضوع الجمالي. ولكن في فن المعمار يكون الجميل في المقام الأول هو ما يزداد قدره بفضل الضوء، ومن خلاله تبدو حتى أكثر الأشياء تفاهة موضوعاً جميلاً.

وعلى هذا، فإذا ما كنا في عمق فصل الشتاء حيث تتجمد الطبيعة وتصبح قاسية، ورأينا أشعة الشمس الغاربة تعكسها الكتل الحجرية بحيث تضيء دون أن تشع حرارة، ومن ثم تكون ملائمة فحسب لأنقى أنواع المعرفة وليس للإرادة - فإن تأمل التأثير الجمالي للضوء على هذه الكتل ينقلنا إذن إلى حالة المعرفة الخالصة، مثلما يفعل كل جمال. ولكن بما أننا هنا يكون لدينا تذكر على نحو خافت لافتقار هذه الأشعة للحرارة، وبعبارة أخرى لغياب مبدأ الحياة؛ فإن نوعاً معيناً من التعالي على اهتمام الإرادة يكون مطلوباً هنا. إذ يوجد هنا تحدٍّ طفيف للبقاء في حالة المعرفة الخالصة، وللانصراف عن كل مشيئة؛ وهذا بالضبط هو ما يجعلنا ننتقل من حالة الشعور بالجميل إلى حالة الشعور بالجليل، وهذا أضعف أثر للشعور بالجليل في الجميل، والجمال ذاته يظهر هنا بدرجة طفيفة فحسب. والمثال التالي أقرب أن يكون مثالاً على هذا الأثر الضعيف.

الأثر الضعيف

لنتخيل أنفسنا وقد انتقلنا إلى منطقة موحشة تماماً لا حدود لآفاقها، تمتد تحت سماء خالية تماماً من أية سحب، ولا هواء هناك يحرك للأشجار والنباتات ساكناً، ولا وجود لحيوانات ولا بشر، ولا ماء يجري؛ إنه الصمت المطبق. إن مثل هذه البيئة التي نجد أنفسنا فيها تبدو كما لو كانت دعوة إلى أخذ الأمر مأخذ الجد، إلى التأمل، مصحوباً بشعور التحرر التام من المشيئة بكل رغباتها الملحَّة؛ ولكن هذا هو بعينه ما يضفي على ذلك المشهد من العزلة التامة والسكون المطبق مسحة من الجليل. فحيث إن ذلك المشهد لا يقدم أية موضوعات- مرغوبة أو غير مرغوبة- للإرادة المحتاجة دوماً إلى الصراع ونيل المراد؛ فإنه لا يبقى هناك سوى حالة التأمل الخالص، ومَن لا يكون قادراً على هذا التأمل يبقى متروكاً في حالة من الخزي لخواء إرادة فارغة، لعذاب الملل وبؤسه. وعلى هذا، فإن ذلك يمدنا بمقياس لمستوى قيمتنا العقلية، وبوجه عام فإن درجة قدرتنا على تحمل العزلة - أو حبنا لها- تعد معياراً جيداً لذلك. ولذلك فإن البيئة التي وصفناها للتو تقدم لنا مثالاً على الجليل في درجة ضعيفة من درجاته؛ لأنه في هذه البيئة تكون حالة المعرفة الخالصة بهدوئها وكل كفايتها ممتزجة- في نوع من التضاد- بالتفكر عندئذٍ في احتياج الإرادة وتعاستها، باعتبارها في حاجة إلى نشاط متواصل. وهذا النوع من الجليل هو الذي بفضله ذاع صيت مشهد البراري التي لا حدود لها في عمق شمال أميركا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا